الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:58 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:08 PM
المغرب 6:56 PM
العشاء 8:12 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

عندما نُلغي عقولَنا أمام ما يُرادُ لنا أن نسمعَه ونُصدِّقَه

الكاتب: د. محمد عودة

لم يعد الإعلام اليوم كما كان، حيث يجلس عدد محدود من الصحفيين ليقرروا للناس ماذا يعرفون وماذا لا يعرفون؛ فقد دخلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى حياتنا وغيرت قواعد اللعبة كلها، أصبح الهاتف الصغير الذي نحمله في أيدينا صحيفة وإذاعة وتلفازًا ومنصة للتعليق والنشر والبث، وأصبح كل فرد قادرًا على نقل صورة أو معلومة أو مقطع إلى آلاف أو ملايين الأشخاص في لحظات.

وهذه القدرة الجديدة سيف ذو حدين؛ فمن جهة كسرت احتكار المعلومة، ووسعت قدرة الناس على الوصول إلى الأحداث ونقلها ومناقشتها، ومن جهة أخرى فتحت الباب أمام اقتطاع الوقائع من سياقها، وتضخيم مشاهد معينة، وتقديم تفسير سريع لها، ثم تحويل هذا التفسير إلى رواية تتكرر حتى تبدو وكأنها الحقيقة نفسها.

وليس المقصود هنا مهاجمة الإعلام، ولا الادعاء بأن كل وسائل الإعلام منحازة أو أن كل من يعمل فيها يسعى إلى توجيه الناس، فالصحافة المهنية، بوصفها أداة للرقابة وكشف الخلل وحماية الحق في المعرفة، تؤدي دورًا مهمًا في المجتمعات الحديثة.

لكن المشكلة تبدأ عندما لا يعود السؤال هو: ماذا حدث؟ بل يصبح: كيف نريد للناس أن يروا ما حدث؟ وهنا تبدأ صناعة الرواية، لنتخيل مثلًا أن حاكمًا مستبدًا طلب من عشرين مهندسًا أن يبنوا له قصرًا مجانًا، فلما رفضوا أطلق عليهم النار وأعدمهم، وفي اللحظة نفسها أطلق النار على حمار كان موجودًا في المكان، ثم أمر بدفنه إلى جانب المهندسين.

لو جاءت وسائل الإعلام في اليوم التالي وركزت على خبر دفن الحمار إلى جانب عشرين مهندسًا، وامتلأت الصفحات والصور بالحديث عن الحمار ودفنه، فقد يصبح الحمار هو القصة، بينما يختفي من المشهد أولئك الذين أُعدموا لأنهم رفضوا الاستعباد. لم تُختلق هنا واقعة غير صحيحة، فالحمار دُفن فعلًا، لكن مركز الاهتمام تغيّر، ومعه تغيرت دلالة الحدث.

وهنا لنا أن نتخيل أن وسائل الإعلام، أو منصات التواصل الاجتماعي، تستطيع أن تفعل الشيء نفسه بطرق أكثر تعقيدًا؛ فتختار صورة من بين عشرات الصور، أو جملة من بين عشرات الجمل، أو جزءًا من حدث كامل، ثم تضعه في الواجهة. ويكفي أحيانًا أن يتغير ترتيب الوقائع حتى يتغير انطباع المتلقي عنها، رغم أن الوقائع نفسها لم تتغير.

والسياق لا يقل أهمية عن الواقعة ذاتها، قد يموت رجل في مكان للترفيه، ويموت آخر في مسجد، فيبدو للوهلة الأولى أن المكان وحده يمنح كل واحد منهما صورة أخلاقية مختلفة، لكن ماذا لو كان الأول قد ذهب إلى ذلك المكان لينصح الموجودين، بينما كان الثاني قد دخل المسجد لسرقة أحذية المصلين؟ عندها تنقلب الصورة تمامًا. فالواقعة وحدها لا تكفي دائمًا لفهم الحقيقة، والمكان لا يروي القصة كاملة، فالصورة لا تكذب بالضرورة، لكنها لا تقول كل شيء. وقد تكون الصورة صحيحة تمامًا، لكن تفسيرها هو الذي يصنع الانطباع.

وإذا كان غياب السياق قادرًا على تغيير فهم واقعة كاملة، فإن المشاهد الحية التي تصلنا عبر منصات التواصل تقدم مثالًا أكثر قربًا من واقعنا،لنأخذ المشهد الذي أحاط بوصول طارق النتشة إلى مجمع فلسطين الطبي وتجمع المواطنين أمامه؛ فالصورة حقيقية والتجمع واقعة لا تماري فيها الكاميرا، لكن ماذا يعني هذا التجمع؟.

هنا تكمن المسافة بين رصد الواقعة وتفسير دلالاتها، فقد تتباين قراءات الناظرين بين التأييد، أو التضامن، أو مجرد الفضول ومتابعة ما يجري، ولا تكفي الصورة وحدها لتقديم استفتاء شعبي أو بناء موقف قاطع على نوايا الحاضرين،لكن من المؤكد ان البعض سيعتبرها استفتاء ضد اداء السلطة القضائية،المشكلة هنا ليست في نقل المشهد، بل فيما يُبنى عليه من استنتاجات تتجاوز حدود الكاميرا وما ترصده في لحظة عابرة، سواء كان الباحث عن الهدف يريد الحقيقة، أو الفتنة، أو التأثير.

أما اللغة فلها دورها وسلطتها في توجيه فهمنا للأحداث،وقد عبّر الشاعر أحمد مطر عن مفارقة هذا الاستخدام للغة حين يقول: «يكذبون بمنتهى الصدق، ويخونون بمنتهى الإخلاص، ويدمرون بلدانهم بكل وطنية». وهي مفارقة تلمس جذع الحقيقة؛ فالكلمات ليست أوعية محايدة، والاسم الذي يُطلق على الفعل قد يسبق تفاصيله، ليملي على المتلقي إطار الحكم عليه.

فالوصف يلمس لُب وجوهر الحقيقة؛ فالكلمات ليست أوعية محايدة، والاسم الذي يُطلق على الفعل يسبق تفاصيله ليملي على المتلقي إطار الحكم عليه، فالفعل الواحد قد يوصف بأنه دفاع أو عدوان، والشخص نفسه قد يوصف بأنه مقاوم أو متمرد بحسب السياق والجهة المتحدثة.

وهناك نوع آخر من صناعة الرواية لا يعتمد على الصورة ولا على اللغة وحدهما، وإنما على التكرار. تتجلى هذه الآلية بوضوح في تلك الحكاية الطريفة عن القرية اليمنية التي سلك أهلها دربًا وعرًا وخطيرًا للوصول إلى الماء؛ فلما سُئلوا عن سبب ارتيادهم له، جاء الجواب المفارقة: «نحن نسير وراء الحمير، وهي التي تسلك هذا الطريق. ومع مرور الوقت أصبح المسلك عادة لا يسأل أحد عن أصلها، حتى صار الناس يسيرون فيه لأنهم اعتادوا السير فيه، لا لأنهم تأكدوا من صحته، وكانت النتيجة أن سقط الأطفال والنساء والشيوخ والحمير في ذلك المسلك الوعر.

الرواية المتكررة في وسائل الإعلام تعمل بالطريقة ذاتها؛ تبدأ كوجهة نظر، ثم تتكرر عبر المنصات حتى تصبح مسارًا ذهنيًا مألوفًا يسلكه المتلقي دون تفكير فيمن اختاره أول مرة، فيتعامل معها الجمهور وكأنها الطريق الوحيد الممكن لفهم الحدث.

وهنا تكمن خطورة ما يمكن أن نسميه «تجيير الإعلام». فالتجيير لا يعني بالضرورة اختراع واقعة من العدم، وإنما قد يكون في اختيار واقعة حقيقية وتقديمها من زاوية واحدة، أو حذف سياق مهم، أو تضخيم تفصيل ثانوي، أو استخدام لغة تحمل حكمًا مسبقًا، أو تكرار تفسير معين حتى يصبح مألوفًا، وعندها لا يعود المتلقي أمام الواقعة وحدها، وإنما أمام واقعة أُحيطت بإطار جاهز لفهمها.

ومع وسائل التواصل الاجتماعي تصبح المسألة أكثر تعقيدًا، لأن الرواية لا تحتاج إلى مؤسسة إعلامية كبيرة كي تنتشر، يكفي أن يلتقط شخص صورة، أو يقتطع مقطعًا، أو يكتب تعليقًا، ثم يتناقله الآخرون، حتى تتحول رواية فردية إلى سردية عامة، وقد يحدث ذلك بحسن نية أو بقصد، وفي كل الحالات يصبح من الصعب على المتلقي أن يميز بين ما شاهده فعلًا وما قيل له عن الذي شاهده.

ولهذا فإن مسؤولية الإعلام لا تقف عند حدود نقل الواقعة، بل تمتد إلى احترام حقيقتها وعدم تحميلها ما لا تحتمل، وفي المقابل، لا تقل مسؤولية المتلقي أهمية؛ فليس كل ما نراه حقيقة مكتملة، وليس كل ما يتكرر يصبح حقيقة، وليس كل صورة دليلًا على التفسير الذي أُرفق بها،علينا أن نسأل دائمًا: ماذا حدث فعلًا؟ وما الذي قيل لي؟ وما الذي أُضيف إلى الواقعة من تفسير؟

المشكلة ليست في أن يكون للإعلام موقف أو وجهة نظر، بل في أن تتحول وجهة النظر إلى بديل عن الحقيقة، وأن يصبح التفسير أهم من الواقعة، فهناك فرق كبير بين أن تنقل الحدث وأن تصنع له رواية، وبين أن تساعد الناس على فهم الواقع وأن تختار لهم مسبقًا كيف ينبغي أن يفهموه.

وفي النهاية، لا يحتاج الإعلام المسيّر او المضلل دائمًا إلى أن يكذب ، كما لا يحتاج المتلقي إلى أن يكون ساذجًا حتى يقع في التضليل، يكفي أن تُنتزع الواقعة من سياقها، أو أن تُوضع صورة حقيقية داخل تفسير جاهز، أو أن تتكرر رواية واحدة حتى تصبح مألوفة، فيتحول المألوف إلى حقيقة في أذهان الناس.

لذلك يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول: أن نميز بين الواقعة وتفسيرها، وبين الصورة وما يُراد أن نفهمه منها، وبين الخبر والرواية التي تُبنى حوله؛ فالإعلام ينقل إلينا الأحداث، لكنه لا ينبغي أن يفكر نيابة عنا، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يُكذب علينا في واقعة، بل أن نرى الواقعة بأعيننا ثم يُقال لنا ماذا تعني، فنصدّق المعنى قبل أن نسأل عن الحقيقة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...