️ نقطة ضوء: على هذه الأرض ، شيء آخر يحدث !
الكاتب: د. عدنان ملحم
وأنت تقود سيارتك، عائدا إلى عاصمتك المدللة عنبتا ، تحاصرك أزمة سير خانقة . تحدّق في المكان ، باحثا عن السبب الذي يقف وراء ذلك: هل هو حاجز عسكري احتلالي؟ هل هي بوابة صفراء مغلقة؟ هل هو حادث سير طارئ ؟ .
تكتشف السبب الحقيقي : حافلات عملاقة محلية ، تحمل بيوتا خشبية جميلة ومتينة ، تتجه إلى المستعمرات والمزارع الاستيطانية المنتشرة في طول البلاد وعرضها. تتقدم قليلًا باتجاه سهل مرج بن عامر، فتسمع أصوات جرافات وناقلات عربية تشق الجبال والتلال والسهول ، لصالح بناء مدن وقرى تمهّد السبيل لعودة " الشعب المضطهد إلى أرض الآباء والأجداد "!.
وعندما تلاحق نشاطا فكريا في العاصمة السياسية المؤقتة رام الله، تطالعك ، على طول الطرق المؤدية إلى مركز الحركة السياسية والوطنية، مشاريع مواصلات عريضة لصالح دولة تل أبيب، تقوم بتنفيذها شركات فلسطينية وازنة .
وفي الحافلة أو الباص الذي يقلك إلى مدينة أريحا، يتطوع مسافر شاب للحديث عن شركات بيع أراضٍ وعقارات، أبطالها شخصيات عربية تقيم في الضفة الغربية والدول العربية والداخل الفلسطيني ، تنقل ملكيتها لصالح شركات يهودية استيطانية ، لقاء مبالغ مهولة لا يمكن تعداد أصفارها .
يحدّثك " خبير مال " مطّلع عن شراكات تجارية وصناعية مشتركة فلسطينية ـ إسرائيلية في جميع المجالات . ويذكرك باستيراد مجموعات من التجار الفلسطينيين البضائع التركية لصالح نظرائهم الإسرائيليين ، وذلك للتغلب على المقاطعة التجارية التركية لكيانهم ، في ذروة الحرب على قطاع غزة، مقابل عمولات مالية باهظة. وفي الظرف ذاته ، قام آخرون بجمع وتوفير الخضروات والفواكه من الأرض الفلسطينية والعربية، وتصديرها إلى الأسواق الإسرائيلية ، مقابل أرباح مرتفعة .
يرى الحاج " عبود على الحدود " أن هناك فروقا واضحة بين عمال فلسطينيين يعملون داخل المستعمرات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بحثا عن مصادر دخل تقيت أسرهم وتسد حاجاتهم الأساسية ، وبين تجار يقدمون خدمات مباشرة للمشروع الاستيطاني الإحلالي .
وتساءل الصحفي " هيرودت الكبير " عن مسؤولية النظام السياسي والوطني والاقتصادي الفلسطيني في توفير البدائل وحماية العمال والفقراء من أبناء جلدتهم؟ ويضيف: إذا كانت بعض هذه الممارسات تخدم الاحتلال بصورة مباشرة، فلماذا لا توجد قواعد وقوانين واضحة تحدد المسؤولية ؟ . ويقول: "يا ريت لدينا أصحاب ثروات يعرفون واجباتهم الوطنية ، مثلما عرف أصحاب الثروات اليهود واجباتهم تجاه المشروع الصهيوني، فموّلوا خطواته الأولى وثبّتوا قواعده في فلسطين ".
العامل " أمجد عز الدين " يرفع يديه إلى السماء من أجل عودة 500 ألف عامل فلسطيني إلى أعمالهم في الداخل! وكتب على صفحته على الفيسبوك: " ننتظر ذلك بفارغ الصبر، وعمق المعاناة، وسيف البطالة ، ورمح الحاجة ".
العامل السابق في هرتسيليا، " نجيب الكسيب " ، حصل على تأشيرة هجرة إلى إحدى الدول الأوروبية، بحثا عن حياة أفضل وستر أعمق! وطلع في بث مباشر على صفحته في فضاء التوك توك، وأهدى والدته أغنية " فيفا إسبانيا ".
علنًا ودون خجل ، يؤيد معظم أعضاء الطيف الحزبي في إسرائيل تهجير وطرد الشعب الفلسطيني من وطنه ! وبفعل عملي، يضمون الأرض الفلسطينية قطعة قطعة ، وخطوة خطوة ، ويشدّون وثاق الحصار المالي والجغرافي والمجتمعي ، ويتحدثون عن هجرة من مناطق C إلى B، ومنها إلى A، وبوابات وأقفال وطرق خاصة، ويشجعون هجرات الفلسطينيين الطوعية إلى كل بقاع الأرض، ويخططون لبناء مطار ريمون بجانب كل تجمع فلسطيني .
ملاحظة مهمة: الاحتلال لا يحتاج دائما إلى من يؤيده ؛ يكفي أحيانا أن ينجح في تحويل حاجات الناس إلى أدوات في مشروعه. وهنا لا يعود السؤال: من أخطأ ؟ بل من ترك الناس يصلون إلى هنا ؟.



