اللغة العربية وتحدّيات التكنولوجيا
الكاتب: المتوكل طه
***
اللغة العربية وعاءٌ ثقافي وإطار قومي وشِعار الدّين وأهله، وهي سياج حضاري، ولسان هذه الأُمّة، المعبّر عن الذات والثقافة العربية الشاملة، وهي آصرة متينة تربط جميع الناطقين بها برباط متين. وعلى الرغم من تاريخها المشرّف العميق، إلا أنها تراجعت عن موقع القيادة والرّيادة، بل تعثّرت خطاها وأضحت في مأزق ومحنة، واعترتنا لكنة هجينة، وأصاب لسانَنا عوجٌ لا يستقيم معه بيان. وأحسب أنّ وسائل التواصل، أو أداة العولَمة الجديدة، أوصلت "اللغة الأُمّ الأولى" إلى الانهيار، جرّاء اشكاليّات التواصل الافتراضي. فمع استخدام اللغة المحكيّة، المتغايرة في كلّ قُطر. ومع استخدام حروف غير عربية في الكتابة. ومع استخدام مصطلحات محلّيّة، مُغرقة في الخصوصيّة. ومع استخدام صور وإشارات سيميولوجيّة. ومع تحطيم قواعد الكتابة الإملائية الصحيحة..سنجد أننا أمام لوحٍ "سبّورة" مفتوحة لكلّ المستويات، دون رقيب، ما يعني؛ أنّ التقنيّة مزّقت الأصول، والمضامين العليا. وأصبحنا أمام لغة "تبدو مشتركة"، تُسمّى اللغة الثالثة، أي لا فصحى ولا محكيّة، وأطلق عليها البعض اللغة التجارية أو المركّبة، لأنّ مجاميع تستخدمها، وهي مُتقاطبة من حيث المعرفة والحمولة والهدف، بالضرورة، لأنّ لغة التواصل تتكئ على مستوى كلّ فرد من حيث وعْيه وإدراكه ومقاصده..ما يُنتج لغة شائكة مجّانيّة، مبذولة دون حدود.
إنّ هذا "الانفتاح" الذي تشرّعه المنصّات الرقميّة، أحدَث لغة جديدة، لتبادل الرسائل، بين الناس، أودت بالقواعد التي عملت على حفظ وصيانة اللغة، قرونا طويلة.
وهناك مشكلات وتحدّيات عديدة تواجهها اللغة العربية في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وسيادة وسائل التواصل الاجتماعي، وهذه التحديات تشمل اللغة في مجالاتها المختلفة، سواء أكانت لغة المدرسة والجامعة، أو لغة الصحافة، والإعلام بوسائطه المتنوّعة، ومن هذه التحديات والمشاكل: أن العامّية،التي كانت تزاحم اللغة المنطوقة، هاجمت هذه الأيام اللغة المكتوبة، وبشراسة، حيث أصبح معظم ما يكتب في وسائل التواصل الاجتماعي بالعاميّة، وإن كان بالفصيحة فهو مليء بالأخطاء، ولا يخفى على أحد أن أثر الكلمة المكتوبة أقوى من المسموعة، فالصورة غير الصحيحة للكلمة تنطبع في الذاكرة البصرية، ومع تكرار هذه الصور تصبح مألوفة، ويتمّ التعامل معها على أنها صحيحة. ومن التحديات الأساسية في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي أن ما فيه من معلومات وبيانات هي أصلا باللغة الإنجليزية التي أصبحت سيدة اللغات في عصر العولمة، في حين أن العربية تستجدي ما يُترجم بلغة ركيكة، وهذا ليس بحاجة إلى تعليل، فقوّة اللغة من قوّة أهلها، وسقى الله أياما درس فيها غير العرب العربية ليلتحقوا بالجامعات،وينهلوا من ينابيع المعرفة! والباحث عن المعلومة عبر الذكاء الاصطناعي يأخذها مسلّما بها، مع أن كثيرا من المعلومات فيها، باللغة العربية، غير صحيحة. لهذا؛ من الضروري أن تغيّر مجامع اللغة العربية أدوارها التقليدية، وتدخل عالم الرقمنة والذكاء الاصطناعي من خلال متخصصين في اللغة العربية والبرمجة، وأن تكون هذه سياسة، وليست مقتصرة على أفراد غيورين يعملون بجهدهم الخاص.
أما عصر السرعة وأساطير التكنولوجيا، فإنها تفتح عالماً مذهلاً، تقلّ فيه أهمية البشر وتزيد فيه أهمية "المعرفة" التي تتراكم وتتزايد إلى الدرجة التي يحفظها جهاز معدني صغير.
أساطير التكنولوجيا تخلق مسافات وفروقات وفجوات بين الإنسان والآلة التي يصنعها. وهذا هو القرن، الذي يخشى الإنسان فيه من شيء صنعه بنفسه، وخاصة الأسلحة والروبوت الشعوري والذكاء الصناعي..فلم يعد الخوف من الطبيعة أكبر من الخوف من الآلة.
سيجد الأدب نفسه قبالة تحديات كبيرة، بدءاً مما أفرزته دول العالم الأول في القرن العشرين، من صناعات لها وميضها النافذ، كصناعة الجنس والموسيقى والأفلام والرياضة، إلى ما أفرزته الإبداعات الأخرى من "متعة" و"فن" و "لذّة"، وخصوصاً أن الألفية الثالثة، ستزيد من قوة الإبصار، وسيشكل البصر - بمعانيه العلمية والفنية - الدعامة الأولى والأكثر أهمية في تلقّي مكوّنات العالَم، وستشكل "الشاشة" قناة اتصالنا الأكثر ضرورية لنا، فكلّ شيء يتحوّل إلى معلومات على الشاشة، وكل شيء سنراه في الجهاز، وستتم رؤيتنا من خلال شاشة، ليس إلاّ! وهذا واحد من أكبر التحديات أمام الكاتب.
وستشكل هذه الشاشة علاقتنا مع العالم الذي سيتحوّل هو الآخر إلى صورة، وليس إلى كلمة. سنتحول إلى البصري على حساب المقروء..وفي هذه الأثناء، يطوّرون لغة عالمية تعتمد الصورة وليس الحرف، "ليتعارف" البشر فيما بينهم، وما لغة الكمبيوتر المتعددة إلا جزء من لغة عالمية تشيع وتنتشر معتمدة في ذلك على قوة البصر.
والأدب بطبيعته جميل، فيه فانتازيا حرّة، انسيابية سائلة، وغرائبية لا حدود لها، ومنطق تختفي فيه الحدود والجغرافيا والمنطق، الأمر الذي يشكل إغراء للآخرين "لاستغلاله" فيفتحون شاشاتهم على عروق القصة والمسرحية والرواية، وشرايين البرق المضيئة في الشِعر، لإكساب هذه الأعمال الفنية تلك المسحة الخارقة من جنون الكلام، وشبق الركض في غابات من الغرائبية الرائعة..غير أن التكنولوجيا ستطيح بعَرْش الأدب، الذي نعرفه، وستؤسّس أو تزاحمنا ب"أدب" له أعصابه وأسلوبه ولغته وموضوعاته الجديدة، وربما الصادمة.
وعليه؛ علينا العمل على؛
حماية اللغة العربية من التعدّيات والتزوير، والعمل على جعلها لغة سلمية متقنة تدويناً ولفظاً، وخاليةً من الأخطاء النحوية واللغوية والشائعة.
تعزيز مكانة اللغة العربية في الدول الناطقة بها، بما يُلزم جميع الجهات في الدولة بحماية اللغة العربية وإعلاء شأنها في كافة الأنشطة والفعاليات التي تقوم بها.
حماية المُسمّيات العربية في فلسطين من التعدّيات الصهيونية والتزوير والترجمة السياسية المشبوهة.
المساهمة في نشر وتسيّد اللغة العربية، باستخدامها استخداماً سليماً في كلّ الاجتماعات والمناقشات والمعاملات والأنشطة الرسمية والعامة، وفي جميع ما يصدر من قرارات ولوائح وتعليمات ووثائق وعقود وكتب ومطبوعات ومنشورات.
دعوة وسائل الإعلام لأن تكون الاعلانات وكافة البرامج والأخبار باللغة العربية السليمة.
العمل على أن يكون باللغة العربية أيّ إعلان يبثّ أو ينشر بأيّ طريقة كانت، ويجوز أن تضاف ترجمة له بلغة أجنبية على أن تكون اللغة العربية أكبر حجماً وأبرز مكاناً. وأسماء المؤسسات التجارية والمالية والصناعية والعلمية والاجتماعية والخدماتية والترفيهية والسياحية والشركات والجمعيات والمصانع والعلاملات التجارية. ولافتات أسماء المؤسسات والمحال التجارية والشركات والجمعيات. وأوراق النقد والعلامات التجارية والمسكوكات والطوابع والميداليات، ويجوز أن يكتب ما يقابلها بلغة أخرى على أن تكون اللغة العربية أبرز مكاناً وأكبر حجماً. والشهادات والمصدقات العلمية. وأسماء الشوارع والأحياء والساحات العامة وغيرها من المواقع، وتستثنى من ذلك أسماء الأعلام غير العربية. وترجمة الأفلام والمصنفات الناطقة بغير العربية المرخّص عرضها في الدولة صوتاً أو كتابةً. ويجوز أن تضاف إلى الكتابة العربية ما يقابلها بلغة أجنبية على أن تكون اللغة العربية أكبر حجماُ وأبرز مكاناً.
العمل مع كلّ وزارة تربية وتعليم على أن:
يلتزم المعلمون في مراحل التعليم العام وأعضاء هيئة التدريس في التعليم العالي باستخدام اللغة الفصحى في التدريس.
اللغة العربية لغة البحث العلمي وتنشر البحوث بها، ويجوز النشر بلغات أجنبية بشرط أن يقدم الباحث ترجمة للبحث بالعربية تعميماً للفائدة للجهات ذات العلاقة.
العمل على أن تُصاغ جميع تشريعات الدولة باللغة العربية.
ونتطلع لأن تقوم الجهات المُصنّعة والمنتِجة بكتابة البيانات والمعلومات المتعلقة بالمنتجات بالعربية. والأهم ألّا يخطئ أيّ مسؤول بالإملاء!



