حين استيقظ العالم لقضيتنا… فرحنا جدا بعودة أصالة إلى الشام
الكاتب: منير قليبو
في هذا الصباح الباكر، وقبل أن يستيقظ البيت، فتحتُ هاتفي كالمعتاد، فإذا بكمّ هائل لا يوصف من فرحتنا بعودة أصالة إلى الشام ومن لندن، عشرات الآلاف يتظاهرون من أجل فلسطين، وفي قرطاج، عشرات الآلاف تحت الأضواء يتمايلون بانسجام وسط كل هذا الزحام ، وفي عمّان، تذاكر نفدت قبل أسابيع، فالهضبة قادم والحمد لله .
ثم مرّرتُ إصبعي مرة واحدة…فإذا ببيت في غزة، كان أصلاً آيلاً للسقوط، ينهار على أهله وأيدٍ تحفر في الركام بلا آلة، ومئات البيوت الأخرى المهددة على وشك الانهيار والشتاء على عتبة الباب.
وبين أصالة ومدينة الضباب وغزة الدمار … فقدتُ البوصلة.
ما كان مني إلا ان أطفأتُ الشاشة، وبقيتُ جالساً لا حراك يذكر .
في مدن كثيرة في أوروبا وأمريكا وبريطانيا وأستراليا، وفي جامعات وساحات حول العالم، خرج أناس لا يتكلمون لغتنا، ولم يعيشوا تاريخنا، ولم يرثوا ذاكرتنا، يهتفون لفلسطين. اختلفت دوافعهم ومواقفهم، لكن فلسطين وغزة استطاعتا أن تحركا ضمائر خارج حدودهما، وأن تجعلا أناساً بعيدين عنا آلاف الكيلومترات يسألون ويقرؤون ويتظاهرون ويناقشون.
ولست أتحدث عن الشعوب العربية كلها؛ ففي الرباط وصنعاء وعمّان وغيرها خرج كثيرون ولا يزالون بل أنا أتحدث عن مشهد أعرفه وأنتمي إليه، وعن مدننا ومهرجاناتنا وشاشاتنا، وأنا أولهم أحياناً:
حقا وبدون مجاملة اقول "لقد أتقنّا صناعة الفقاعة بامتياز" .
نتقن الحفل والمسرح والإضاءة والإخراج والدبكة والموسيقى والصورة والترند ونملأ المدرجات، ونسافر وراء المغني، ونلاحق المطعم والمنتجع والترند والطبق والزي والمؤثر، ونستخدم أحدث التكنولوجيا لنصنع عالماً جميلاً موازياً للواقع. اننا حقا مبدعون ! ما شاء الله
وهنا تكمن المفارقة: لدينا القدرة، بل القدرات فلسنا عاجزين عن التنظيم ولا عن الإبداع ولا عن الحشد وكل ما نشاهده في حفلاتنا ومهرجاناتنا وأعراسنا وافتتاح مولاتنا واحتفالاتنا بالمواسم يثبت أننا قادرون على إنتاج حدث مذهل بكل تفاصيله، في موعده، وبإتقان.
قضيتُ عمري في أماكن تُقاس فيها القدرة بمقياس آخر: في غزة، وفي ملفات العمل والتدريب والتشغيل، وفي مقاعد دراسية تبقى فارغة لا لأن أحداً لا يريدها، بل لأننا لم نحشد لها كما نحشد لغيرها ووضع سوق العمل والبطالة وتدني مستوى التعليم اكبر شواهد على العص .
رأيت كم نحتاج من الجهد لنملأ قاعة تدريب، وكم نحتاج من دقائق لنملأ مدرجاً بمحبي الحياة .فأين تذهب هذه القدرات عندما يتعلق الأمر بالتعليم؟ بالصحة ؟ بالسلامة ؟ بالبحث؟ بالعمل؟ بالشباب؟ بالفقر؟ بالعنف وبالفقر والخيمة وإطعام المسكين وإيواء من سيقضي الشتاء في خيمة أو تحت سقف متصدع؟
ليست مشكلتي مع أغنية، ولا مع حفلة، ولا مع الفرح. الناس تحتاج إلى الفرح، خصوصاً في زمن القسوة.
مشكلتي أن الهروب نفسه أصبح صناعة، والصورة أصبحت أحياناً أهم من الواقع.
والهروب ليس دائماً جبناً؛ أحياناً يكون محاولة يائسة للتنفس. لكن المشكلة أن نبقى في الفقاعة طويلاً، حتى تصبح الفقاعة وطناً بديلاً.
لا أدّعي أننا كلنا كذلك، ولا أريد أن أرسم صورة قاتمة ولا وردية فقط أريد فقط أن نرى الجرح من دون أن نكذب على أنفسنا، وأن نرى قدرتنا أيضاً من دون أن نحوّل جراحنا إلى مبرر دائم للعجز.
السؤال لم يعد: لماذا لا يسمع العالم فلسطين؟
لقد سمعها العالم قاطبة وسمعها في الجامعات والشوارع والساحات، وقطاعات واسعة منه تحركت من أجلها حتى على خشبات المسارح في الغرب وجوايز مميزة لأفلام سردت سردية فلسطين .
السؤال الأصعب هو:
هل ما زلنا نحن نسمع فلسطين وسط كل هذا الضجيج؟ هل نسمع استغاثة طفل من غزة ؟ من هجمة المستوطنات
الأمل ليس أن نلغي الفرح، بل أن نجعل الفرح استراحة لا هروباً وأن نغني ونرقص ونفرح، ثم نعود في الصباح لنسأل: ماذا بعد؟
أن نرفع علم بالتاكيد ليس علم المونديال ، ثم نرفع معه مشروعاً، ومدرسة، وفكرة، وفرصة عمل، وبيتاً يُعاد بناؤه؛ تحت عنوان محمود درويش الذي لا يزال يلخص الحكاية:
«على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
هذا الصباح لم أرفع مشروعاً وانما فتحتُ دفتري فقط، وكتبتُ اسماً واحداً، ووعدت نفسي أن أتصل به قبل المساء.
شيء صغير جداً…
لكنه ليس فقاعة



