الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:04 AM
الظهر 12:33 PM
العصر 4:02 PM
المغرب 6:44 PM
العشاء 8:00 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

حين يصبح التعليم آخر ما نفكر فيه 

الكاتب: د. عدنان ملحم 

ثلاثة أسابيع مضت من العام الدراسي ، وقطار التعليم يمضي في مساره العليل ، فيما تتوالى على صفحات التواصل الاجتماعي صرخات   لافتة للنظر: مدارس تناشد توفير معلمين ، وأخرى تنتظر الكتب المدرسية ، وأطفال بدأوا عامهم الدراسي من دون أن يجدوا مقومات يومهم الأول .
 
ما هذا الاستهتار الذي لا يُغتفر؟ .

طوابير الخريجين العاطلين عن العمل تسد الآفاق ، وفي مختلف التخصصات ، ومع ذلك تعجز  وزارتنا  عن توفير معلميها ! فأين الخلل ؟ وهل أصبح العثور على المعلم أصعب من تخريجه ؟ وهل أصبح توفير الكتاب المدرسي مهمة تحتاج إلى أسابيع من الانتظار؟ . 

افتتحت  المطبعة الوطنية عام 2022 باحتفالات مهيبة ، وكان يفترض أن تنهي مشكلة الكتاب المدرسي أو تخففها على الأقل . لكن بعد أربع سنوات ، ما زالت بعض المدارس تنتظر كتبها بعد بدء العام الدراسي . فأين الخلل: في الطباعة ، أم في التخطيط، أم في التوزيع ؟. 

ولن أتحدث عن جيش المعلمين المكسور ، الموجوع ، المحاصر في سجون الأزمة المالية التي تعصف بالوطن ؛ المعلم المطارد من الدائنين ، ومن متطلبات الحياة التي لم تعد تنتظر راتبه آخر الشهر . كيف نطلب منه أن يبني أجيالا  ، فيما حياته هو معلقة بين الديون والحاجات والقلق ؟. 

ولن أتحدث أيضا  عن مستوى التعليم المتراجع لدى طلبة الصفوف الأولى في مدارسنا الحكومية ، فقد دق التقييم الدولي للطلبة جرس الإنذار بوضوح . ولعل الصراحة تقتضي أن نقول إن واقع القراءة والفهم في هذه المرحلة أكثر إيلاما  مما تظهره الأرقام؛ فهناك أجيال وقطاعات من الطلبة تصل إلى الصفوف المتقدمة وهي تعاني ضعفا  شديدا  في معرفة الحروف واللغة والقراءة والقدرة على الاستيعاب والفهم .

وفي الجهة الأخرى ، تقف مدارس خاصة ذات أقساط مرتفعة ، توفر إمكانات وبرامج وبيئة تعليمية لا تتاح للغالبية . وهكذا لا يعود التعليم أداة للعدالة الاجتماعية ، بل يتحول، بصورته الراهنة ، إلى أحد أبواب تكريس الطبقية : تعليم جيد لمن يستطيع دفع ثمنه ، وتعليم أقل حظا لمن لا يستطيع .

وهنا نحتاج إلى شجاعة التفكير خارج المألوف .

لماذا لا نفتح نقاشا  جادا  حول تأنيث التعليم في الصفوف الابتدائية الأولى ؟ لا باعتباره انتقاصا  من دور المعلم ، ولا تفضيلا  مطلقا  للمرأة ، وإنما باعتباره خيارا  تربويا  يستحق الدراسة في مرحلة هي الأكثر حساسية في تشكيل علاقة الطفل بالمدرسة . فالطفل في سنواته الأولى لا يحتاج إلى نقل المعرفة فقط ، بل يحتاج إلى من يكتشف قدراته ، ويحتمل بطء تعلمه، ويغرس فيه القراءة والكتابة والحساب بالصبر والدقة والرعاية . وقد تكون المعلمات، بحكم خبرتهن التربوية وطبيعة تفاعلهن مع الأطفال ، أكثر قدرة في كثير من الحالات على أداء هذه المهمة ، وبناء جسور من الثقة والرعاية تساعد الطفل على التكيف مع المدرسة . فلماذا لا نختبر الفكرة علميا  ، ونقيس نتائجها ، بدل أن نبقى أسرى التقسيم التقليدي للهيئة التدريسية؟ . 

ولماذا لا نناقش فكرة توطين التدريس ؛ أي أن يكون معلم القرية أو البلدة أو المدينة من أبنائها قدر الإمكان ؟ الفكرة لا تتعلق فقط بتوفير نفقات الانتقال والإقامة على المعلم ، وإنما يمكن أن تساعد ، في ظل الأزمة المالية ، على رفع أيام الدوام الفعلي ، وتقليل كلفة التشغيل ، وتعزيز ارتباط المعلم بمدرسته ومجتمعه.

أما أن تصبح بعض المدارس عاجزة عن توفير دوام كامل ، فيُختزل التعليم إلى ثلاثة أيام في الأسبوع بسبب عجز النظام الحكومي عن الوفاء بالتزاماته تجاه الموظفين عموما  والمعلمين خصوصا ، فهذه ليست مشكلة مالية عابرة ؛ إنها مشكلة تمس جوهر الحق في التعليم .

ولنتذكر درسا  من التاريخ .

في خضم الحرب العالمية الثانية ، حين كانت بريطانيا تخوض حربًا وجودية ، لم تتعامل مع التعليم بوصفه ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب ، بل حافظت على استمرار العملية التعليمية ، إدراكًا منها أن الدولة التي تخوض معركة على الأرض لا يجوز أن تخسر معركتها على الإنسان .

نحن أيضا  نعيش معركة على الإنسان الفلسطيني . والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه نظامنا التعليمي ليس : كم نستطيع أن ننفق على التعليم؟ بل: كم سيكلفنا انهيار التعليم إذا واصلنا تأجيله؟ . 

ثلاثة أسابيع من عام دراسي جديد كانت كافية لتكشف أن الأزمة ليست في نقص معلم هنا ، أو كتاب هناك ، وإنما في طريقة إدارة قضية التعليم كلها .

التعليم ليس بندا فائضا  في الموازنة ، ولا خدمة يمكن تشغيلها حين تسمح الظروف . التعليم هو الشرط الأول لبقاء المجتمع واقفًا .

💢 ملاحظة مهمة: ما يجري ليس نقصا  في كتاب ، أو غياب معلم ، أو تأخر راتب ؛ إنها أعراض منظومة تعليمية أنهكها سوء التخطيط ، وضعف الإدارة ، واختلال الأولويات . ومن الخطأ أن نعالج كل عارض منفردا  ونترك أصل المشكلة . نحن لا نحتاج إلى ترقيع المنظومة التعليمية ، بل إلى إعادة النظر فيها من أساسها .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...