الضفة... معضلة إسرائيل الكبرى
الكاتب: نبيل عمرو
بعد أن توغلت إسرائيل في حرب إبادة غزة، لتخوض بذلك أطول حربٍ مستمرةٍ في تاريخها، وبعد أن خاضت عدة حروبٍ امتدت من رفح ثم جنوب لبنان حتى باب المندب وإيران، دون أن تحسم واحدةً منها، تواجه الآن تحديها الأكبر والأكثر تعقيداً الذي تمثله الضفة بجغرافيتها الضيقة، وديموغرافيتها المكتظة.
منذ انتصارها المدوي في حرب العام 1967، واستيلائها على أراضٍ عربية، بلغت مساحتها ثلاثة أضعاف مساحة إسرائيل، والضفة مشروع سيطرةٍ شاملةٍ عسكرياً واستيطانياً وتهجير ما أمكن من سكانها ووضعها تحت طائلة الضم، في الوقت والظرف الذي تراه إسرائيل مناسباً أو ممكناً.
غنيٌ عن التذكير بأن جغرافية وديموغرافية الضفة هما الأكثر تداخلاً مع جغرافية وديموغرافية الدولة العبرية، مما جعل من عزلها تماماً عن إسرائيل أمراً يكاد يكون مستحيلاً.
حرب إسرائيل للسيطرة على الضفة تدخل الآن مرحلةً لا مغالاة في وصفها بأنها الأكثر زخماً وشراسة، حيث مشاريع الاستيطان تسابق الزمن، والتحشيد العسكري يبلغ ذروته وعلى نحوٍ يفوق ما تحشد إسرائيل على جميع الجبهات، وكذلك إطلاق يد المستوطنين المسلحين لمساعدة الجيش على محاصرة مدنٍ وقرى والتنكيل بسكانها والاستيلاء على ممتلكاتهم، وما تفعله إسرائيل في الضفة، هو احتلالٌ شامل ينفّذ حرباً مدروسةً لتخريب حياة الفلسطينيين وجعل المكان الضيق الذي يقيمون فيه غير صالحٍ للعيش.
الوضع في الضفة ينبغي أن لا ينظر إليه من زاويةٍ واحدة، هي ما تريده إسرائيل وما تعمل على تحقيقه، بل لا بد من أن يُنظر إليه من زاويةٍ مقابلة، أي ما يمتلك الفلسطينيون من قدراتٍ على المواجهة وإعاقة المخططات الإسرائيلية، في هذا المجال يمتلكون الكثير والفعّال، وإلا ما الذي يُجبر إسرائيل على سحب قواتٍ من جبهات القتال وتركيزها في الضفة، وخسارة المليارات بفعل استبدال مئات ألوف العمّال الفلسطينيين بعمّالٍ أجانب تبين أنهم عبءٌ على الاقتصاد أكثر من كونهم دعماً وإنقاذاً له، وما الذي يجعل إسرائيل النووية غير واثقةٍ من كل ما تفعل عسكرياً واستيطانياً لتلوذ بالذكاء الاصطناعي لمراقبة أربعة ملايين فلسطيني يعيشون ويتكاثرون كل يوم في القدس والضفة، كذلك فإن الفلسطينيين أجمعوا على ثنائية مواصلة بناء حياتهم على أرض وطنهم كأهم وأفعل وسيلةٍ كفاحية للثبات أمام الحرب الإسرائيلية عليهم، ولعدم تمكينها من تحقيق أهدافها.
الضفة الآن تحت احتلالٍ مباشرٍ وشامل، وكأن إسرائيل في اليوم التالي لاحتلالها في حزيران 1967، وقرار الفلسطينيين الجماعي والذكي والمؤثر، لا يحتاج إلى أنفاقٍ ومصانع سلاحٍ وذخيرة، بل يحتاج لما يستطيعونه فعلاً وهو صيانة وتعميق قدرات الصمود والبناء، وتوفير مقوّمات الحياة على أرض الوطن، وهذا ما أجادوه سابقاً ويجيدونه كل يومٍ وبامتيازٍ مشهود جعل العالم يُجمع على حقهم في الحرية والاستقلال، رغم كل ما امتلكت إسرائيل من مقوّمات قوةٍ غاشمةٍ لم تصل مهما فعلت حدّ رؤية رايةٍ بيضاء يرفعها الفلسطينيون.
الضفة ومنذ احتلالها في العام 1967 وإلى أيامنا هذه وإلى ما لا نهاية، كرّست معادلةً لم تنجح إسرائيل في كسرها، قوامها البقاء على أرض الوطن وبناء الحياة فيه، والتزامٌ جماعيٌ لا يعتريه أي فتور، بهدف الحرية والاستقلال، والفلسطينيون يدركون جيداً كيف يوفرون صدقيةً لمعادلتهم أساسها التشبث بالأرض والعمل مع الأشقاء والأصدقاء على مستوى العالم كله، حيث الظاهرة الفلسطينية في تقدم، والنفوذ الإسرائيلي في تراجع، وبوسع الفلسطينيين أن يتحملوا ألم المخاض الصعب الذي يعيشونه ما دام هدف الحرية والاستقلال هو أولوية حياتهم وكفاحهم وصمودهم.
مؤسفٌ أن نرى ونسمع بعض إعلامٍ عربي يعتبر ما تفعله إسرائيل في الضفة، وما يعلنها قادتها من أهداف كما لو أنها قدرٌ لا راد له، حتى أن كثيرين صاروا يستخدمون عبارة ما تبقى من الضفة.
الحقيقة تقول وبقرائن قويةٍ مقنعة، الضفة كلها باقية وناسها باقون ويتكاثرون، والإجماع على هدف الحرية والاستقلال رغم كل المعوّقات لم ولن يغادر يقين الفلسطينيين الذين يرون في الضفة وغزة والقدس وطناً لا بديل عنه في أي زمانٍ ومكان.



