أزمة الرواية - NAZA
الكاتب: د. منى أبو حمدية
لم يعد الصراع على الرواية في القضية الفلسطينية مجرد معركة بين رواية فلسطينية وأخرى إسرائيلية، ولكن أصبح صراعاً على قدرة كل رواية على الصمود أمام الوثيقة والشهادة والصورة، وعلى قدرتها في إقناع العالم بأن ما تقوله ينسجم مع الوقائع لا مع الدعاية السياسية.
من هنا تكتسب قضية الفيلم الوثائقي NAZA دلالتها السياسية والثقافية، ليس فقط بسبب موضوعه المتصل بالحرب على غزة، وإنما لأن جزءاً من شهاداته يأتي من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها، ومن أشخاص ارتبطوا بالمنظومة العسكرية والاستخبارية. والأكثر دلالة أن مخرجي الفيلم إسرائيليان، ما يجعل العمل أكثر إحراجاً للرواية الرسمية التي طالما حاولت تقديم المجتمع الإسرائيلي باعتباره كتلة واحدة خلف الجيش، وتصوير كل نقد داخلي بوصفه هامشياً أو معادياً للدولة.
المسألة هنا ليست فيلما فحسب؛ إنها أزمة رواية.
فالرواية الإسرائيلية التقليدية بنت جزءاً مهما من قوتها الدولية على مجموعة من المرتكزات: دولة ديمقراطية، جيش أخلاقي، حرب مفروضة عليها، وحرص دائم على حماية المدنيين. ومع استمرار الحرب على غزة، وتراكم الصور والشهادات والتقارير الدولية، أصبحت هذه المرتكزات موضع اختبار متزايد، لا سيما عندما تبدأ الأصوات التي تشكك فيها بالخروج من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
وهنا تحديداً تكمن أهمية NAZA؛ فحين يأتي النقد من الخارج، تستطيع المؤسسة الرسمية أن تضعه في إطار (التحيز) أو (العداء لإسرائيل)؛ أما عندما يأتي النقد من إسرائيليين، ومن سينمائيين سبق أن خاضوا التجربة نفسها في فيلم (لا أرض أخرى)، وعندما تتحدث شهادات الفيلم عن آليات الاستهداف وصناعة القرار العسكري، فإن محاولة إسكات الرواية تصبح أصعب من مجرد نفي مضمونها. ولذلك فإن رد الفعل الرسمي الإسرائيلي يستحق التوقف عنده.
عندما يصل النقاش إلى التهديد بسحب الجنسية، وتتقدم مفردات مثل "الخيانة" و"الإضرار بالدولة" على النقاش الموضوعي لمضمون العمل، فإن السؤال لا يعود: هل الفيلم دقيق في كل تفصيل؟ بل يصبح السؤال الأوسع: لماذا يتحول كشف الرواية المضادة من قضية فنية أو إعلامية إلى قضية ولاء وخيانة؟
هذه النقلة تكشف مأزقاً سياسياً وثقافياً؛ فالدولة الواثقة من روايتها لا تحتاج إلى إسكات الفنان ولكن تواجه الفيلم بفيلم، والشهادة بشهادة، والوثيقة بوثيقة، وتترك للجمهور مساحة الحكم. أما عندما تصبح الجنسية نفسها أداة تهديد، فإن ذلك يعطي الانطباع بأن المشكلة لم تعد في مضمون الرواية، بل في الخوف من انتشارها.
والأخطر أن الثقافة هنا لم تعد مساحة منفصلة عن السياسة؛ فالسينما، والصورة، والأرشيف، والشهادة، والفن، كلها أصبحت أدوات لإنتاج الذاكرة السياسية. وما يجري في غزة لا يُخاض فقط بالسلاح؛ ثمة معركة أخرى تدور على معنى الحدث، وعلى من سيكتب ذاكرته، ومن سيحدد مفرداته، ومن سيملك القدرة على تقديم تفسيره للعالم.
لقد أدركت إسرائيل مبكراً أهمية الرواية. ولذلك لم تكن السيطرة على الأرض وحدها كافية، بل رافقتها محاولة مستمرة للسيطرة على تفسير الأرض وتاريخها ورموزها وصورها. لكن أزمة الرواية الإسرائيلية اليوم تتمثل في أن العالم لم يعد يتلقى رواية واحدة.
هناك صور غزة، وشهادات الناجين، والصحفيون، والباحثون، والمؤسسات الحقوقية، والأرشيفات، والوثائق، والجامعات، والأعمال السينمائية، والأهم من ذلك كله: الأصوات التي تأتي من داخل إسرائيل نفسها.
وهنا تتغير قواعد المعركة.
فلم يعد السؤال فقط: ماذا يقول الفلسطيني؟
بل أصبح ايضاً : ماذا يقول الإسرائيلي الذي يرفض أن تكون المواطنة مرادفًا للصمت؟
هذه الأصوات لا ينبغي النظر إليها بوصفها بديلاً عن الرواية الفلسطينية، ولا بوصفها مصدرا يمنح الفلسطيني شرعية وجوده أو حقه. فالحق الفلسطيني لا يحتاج إلى شهادة إسرائيلية حتى يصبح حقاً. لكنها تكشف، في المقابل، أن الرواية الرسمية الإسرائيلية ليست الرواية الوحيدة داخل المجتمع الإسرائيلي، وأن ثمة صراعاً داخلياً حول معنى الدولة والحرب والمسؤولية والأخلاق.
ومن هنا يمكن فهم الهجوم على مخرجي NAZA باعتباره جزءاً من معركة أوسع حول احتكار الرواية.
فإذا أصبح كل إسرائيلي ينتقد سياسات دولته (خائناً)، فإن الدولة لا تدافع فقط عن صورتها أمام الخارج؛ إنها تحاول ايضاً ضبط حدود الخطاب المسموح به في الداخل.
لكن التاريخ أثبت أن الروايات لا تُهزم بالمنع.
فالرواية القوية هي التي تستطيع الوقوف أمام الوثيقة، وتحتمل السؤال، وتقبل النقد، وتواجه الشهادة بالشهادة. أما الرواية التي تحتاج باستمرار إلى تخوين أصحاب الرواية الأخرى، وملاحقة الفنانين والباحثين والصحفيين، فإنها تكشف – من حيث لا تريد – عن هشاشة في بنيتها الداخلية.
ولذلك فإن قضية NAZA لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها خلافا بين وزير ثقافة ومخرجين.
إنها لحظة تكشف عمق الأزمة التي تواجه الرواية الإسرائيلية في عصر الصورة والشهادة والرقمنة.
فقد كان من الممكن في الماضي التحكم بصورة الحرب من خلال البيانات الرسمية والصحافة التقليدية، أما اليوم فأصبحت الصورة تنتقل في لحظتها، والشهادة تحفظ، والوثيقة تتداول، والفيلم يصل إلى جمهور عالمي، والباحث يستطيع مقارنة الروايات بالمصادر والوقائع.
وهذا كله يجعل احتكار السرد أكثر صعوبة.
إن المعركة الثقافية الحقيقية ليست في إنتاج خطاب فلسطيني غاضب مقابل خطاب إسرائيلي غاضب، وإنما في بناء رواية فلسطينية تستند إلى المعرفة: إلى الأرشيف، والآثار، والتاريخ، والوثيقة، والشهادة، والبحث الأكاديمي، والسينما، والفن، والذاكرة الشعبية.
ففلسطين لا تحتاج إلى رواية مصطنعة كي تنتصر؛ تحتاج إلى أن تُظهر ما تمتلكه من مادة تاريخية وحضارية وإنسانية، وأن تحمي ذاكرتها من التزييف والاقتطاع وإعادة الإنتاج السياسي.
وفي المقابل، فإن أزمة الرواية الإسرائيلية لا تُقاس فقط بما يقوله الفلسطينيون عنها، وإنما بما بدأ بعض الإسرائيليين أنفسهم يقولونه عنها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
كلما حاولت الرواية الرسمية إغلاق الباب أمام الأسئلة، فتحت الأسئلة أبوابًا جديدة.
قد يستطيع القرار السياسي أن يمنع عرض فيلم في مكان ما، وقد يستطيع الوزير الاسرائيلي أن يهدد فناناً، وقد تستطيع المؤسسات الامنية العسكرية أن تحاصر شهادة، لكن لا يمكن بسهولة إلغاء الصورة من ذاكرة العالم، ولا محو الوثيقة من الأرشيف، ولا إسكات السؤال عندما يصبح جزءاً من الضمير العام.
إن NAZA في هذه اللحظة مرآة لأزمة أوسع: أزمة رواية تحاول أن تحافظ على تماسكها بينما تتكاثر الشهادات التي تسأل عن الفجوة بين ما تقوله الدولة عن نفسها وما يراه العالم من نتائج سياساتها.
وفي هذه المعركة، لن يكون المنتصر بالضرورة صاحب الصوت الأعلى، بل صاحب القدرة على تقديم الحقيقة في صورتها الأكثر توثيقًا، والأكثر إنسانية، والأكثر قدرة على البقاء.



