الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:07 AM
الظهر 12:31 PM
العصر 3:58 PM
المغرب 6:39 PM
العشاء 7:54 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

جيش التيراكوتا… من الإمبراطور الذي وحّد الصين إلى الصين التي تصنع المستقبل

الكاتب: بسام زكارنة

في مدينة شيآن الصينية وقفت أمام واحد من أعظم الشواهد على عظمة الحضارة الصينية القديمة: جيش التيراكوتا (Terracotta Army) جيش الإمبراطور تشين شي هوانغ أول إمبراطور وحّد الصين.

أمام آلاف الجنود والخيول والمركبات المصنوعة من الطين المحروق بتفاصيل دقيقة ومدهشة بدأت أفكر:

إذا كان هذا هو الجيش الذي أُنشئ ليحرس الإمبراطور بعد موته بهذه الروعة والدقة والإبداع والتنظيم فكيف كان جيشه وهو على قيد الحياة؟ وكأن فكرة الحماية لم تتوقف عند جيشه الذي سيحرسه في العالم الآخر ففي عهده جرى ربط وتوسيع أجزاء من التحصينات التي كانت قائمة أصلاً في شمال الصين لتشكيل نظام دفاعي موحد ضد الغزوات القادمة من الشمال وهو ما أصبح إحدى المراحل المبكرة في تاريخ ما نعرفه اليوم باسم سور الصين العظيم.

الإمبراطور الذي وحّد الصين كان يبني الدولة ويحمي حدودها ويترك خلفه جيشاً ضخماً من الطين يحرس حتى ضريحه بعد موته والمذهل أن كل هذا يعود إلى أكثر من ألفي عام ، آلاف الجنود المصنوعين من الطين يقفون في تشكيلات عسكرية دقيقة ولكل واحد منهم ملامح وتفاصيل وملابس مختلفة وكأننا أمام جيش حقيقي تجمّد في الزمن.

لكن وأنا أقف أمام هذا الجيش لم أستطع أن أرى التاريخ منفصلاً عن حاضر الصين و بدأت أسأل نفسي: كيف انتقلت الصين من هذا التاريخ العريق إلى الثورة ثم إلى الدولة التي تصنع المستقبل؟.

و ذهبت إلى يانان المدينة التي ارتبط اسمها بأهم مراحل الثورة الصينية و هناك وقفت في الأماكن التي عاش وعمل فيها القائد الأممي ماو تسي تونغ ورفاقه ودخلت إلى الكهف الذي عاش فيه ماو المكان متواضع إلى درجة يصعب معها أن تتخيل أن صاحبه كان يقود من هنا مرحلة ستغير تاريخ الصين غرف بسيطة ( غرفتين بالضبط  ) و أثاث محدود و مكتب وسرير وفي هذا المكان كانت تُتخذ القرارات وتُرسم ملامح مرحلة حاسمة من الثورة.

من يانان قاد الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ مرحلة حاسمة من الثورة وهناك ترسخت أفكار الحزب وتعزز تنظيمه لتصبح يانان واحدة من أهم المحطات التي خرجت منها نواة الدولة الصينية الجديدة.

وقبل يانان كانت هناك المسيرة الكبرى تلك المسيرة التي قطع خلالها آلاف الثوار آلاف الكيلومترات في ظروف قاسية عبر الجبال و الثلوج  والأنهار والمناطق الوعرة في واحدة من أصعب مراحل الثورة الصينية لم تكن المسيرة الكبرى مجرد حركة عسكرية بل تحولت إلى رمز للصبر والتنظيم والإصرار على مواصلة الطريق مهما كانت الصعوبات.

ثم جاء عام 1949 وتأسست جمهورية الصين الشعبية ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من القصة: بناء دولة حديثة على أرض خرجت من عقود من الحروب والاضطرابات والفقر وكان من أهم ما خرج به الحزب الشيوعي العظيم إضافة إلى قوة التنظيم والإدارة والانضباط بناء الإنسان الصيني وإعداده وهو ما تراه بعينك اليوم في شخصية المواطن الصيني الإنسان القوي الصلب والمنضبط والملتزم و المنتج .

ثم جاءت مرحلة الإصلاح والانفتاح وبدأت الصين تتحول بصورة متسارعة حتى أصبحت اليوم قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية وتجارية كبرى ومع هذا التحول تتابعت التجارب والقيادات التي ساهمت في مسيرة البناء والتطوير وصولاً إلى المرحلة الحالية بقيادة الرئيس شي جين بينغ التي تركز على مكافحة الفساد وتعزيز الانضباط داخل الحزب ومواصلة بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.

وأنا أتنقل في الصين لم أكتفِ بقراءة هذه القصة رأيتها بعيني و زرت مصانع السيارات الكهربائية وشاهدت خطوط الإنتاج في BYD وشومي Xiaomi وفي أحد المصانع التي زرتها كان حجم الإنتاج مذهلاً إذ يصل إلى نحو 2000 سيارة في اليوم ، وأنت تشاهد السيارات تتحرك على خطوط الإنتاج والروبوتات تعمل بدقة مذهلة تشعر أنك انتقلت فجأة من جيش التيراكوتا الذي صنعه الصينيون قبل أكثر من ألفي عام إلى جيش جديد من الآلات والروبوتات التي تصنع سيارات المستقبل تغيرت الأدوات لكن فكرة التنظيم والبناء والإنتاج بقيت حاضرة.

ثم انتقلت إلى ييوو Yiwu فوجدت قصة أخرى من قصص التحول الصيني مدينة لا تملك شيئاً من النفط أو الثروات الطبيعية الكبيرة لكنها استطاعت أن تبني نفسها من خلال التجارة والعمل حتى أصبحت مدينة تنتج كل شيء ومركزاً تجارياً عالمياً واليوم تجمع أسواقها ملايين الأنواع من السلع والمنتجات التي تصل إلى الأسواق في مختلف أنحاء العالم وأنت تمشي في ييوو ترى أمامك مواطنين ( تجار) من مختلف انحاء العالم و أشياء يحتاجها الناس ويستخدمونها في حياتهم اليومية: ألعاب، أدوات منزلية، ملابس، إكسسوارات، قرطاسية، أدوات صناعية ومئات الآلاف من المنتجات حتى تشعر أن من الصعب أن تدخل بيتاً في أي مكان في العالم ولا تجد فيه شيئاً له علاقة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بسلسلة الإنتاج والتجارة التي تمر عبر ييوو.

هنا فهمت أن قصة الصين ليست فقط قصة مصانع ضخمة أو قطارات سريعة أو سيارات كهربائية إنها أيضاً قصة كيف يمكن لمدينة أن تبني منظومة تجارية كاملة تربط المنتج الصغير بالمستهلك في أقصى مكان في العالم.

ومن شيآن إلى يانان ومن يانان إلى مصانع السيارات ومن المصانع إلى ييوو بدأت أرى خيطاً واحداً يربط كل هذه الأماكن و هو البناء.

الإمبراطور تشين شي هوانغ وحّد الصين وبنى جيشاً ضخماً وعمل على توحيد التحصينات القائمة على حدودها الشمالية و الثوار خاضوا المسيرة الكبرى ثم أسسوا دولة جديدة عام 1949 وبعد ذلك جاءت مراحل البناء والإصلاح والانفتاح والتنمية حتى أصبحت الصين اليوم من أكبر الاقتصادات الصناعية والتكنولوجية في العالم.

وفي عام 2021 أعلنت الصين القضاء على الفقر المدقع وفق معيارها الوطني بعد انتشال نحو 99 مليون شخص من الفقر الريفي خلال ثماني سنوات.

وفي الصناعة أصبحت الصين أكبر دولة صناعية في العالم من حيث القيمة المضافة للتصنيع بينما أصبحت في السيارات الكهربائية والطاقة الجديدة والقطارات فائقة السرعة والعديد من الصناعات التكنولوجية قوة اولى و رئيسية على المستوى العالمي لكن الأرقام وحدها لا تشرح ما رأيته أحياناً تحتاج إلى أن تدخل المصنع بنفسك و أن ترى السيارة وهي تُصنع أمامك و أن ترى الروبوتات وهي تعمل.

أن تزور يانان وتدخل المكان الذي عاش فيه ماو وأن تقف أمام آلاف الجنود في جيش التيراكوتا وأن تمشي في أسواق ييوو وترى كيف تصل منتجات مدينة واحدة إلى مختلف أنحاء العالم عندها فقط تبدأ الصورة في الاكتمال.

وأنت تتنقل بين هذه الأماكن تبدأ في فهم أن الصين لم تبنِ حاضرها في يوم واحد بل مرت بمسيرة طويلة من التاريخ والتجارب والتحولات مسيرة بدأت منذ توحيد الصين على يد الإمبراطور تشين شي هوانغ ثم مرت بالثورة والمسيرة الكبرى وتأسيس الدولة عام 1949 ثم الإصلاح والانفتاح وصولاً إلى الصين التي رأيتها اليوم بعيني في مصانع السيارات الكهربائية والأسواق ومراكز التكنولوجيا ورغم قِصر هذه المسيرة استطاعت الصين أن تصل خلال عقود قليلة إلى ما وصلت إليه من تقدم وتنمية وتحول كبير.

وعندما غادرت جيش التيراكوتا بقيت صورة واحدة عالقة في ذهني:

آلاف الجنود يقفون منذ أكثر من ألفي عام في تشكيلاتهم نفسها وكأن الزمن توقف عندهم و خلال هذه القرون الطويلة تغيرت الصين وتغير العالم من حولهم سقطت إمبراطوريات وقامت دول ومرت الصين بالثورة والحروب والفقر ثم الإصلاح والانفتاح بينما بقي هذا الجيش شاهداً صامتاً على كل تلك التحولات.

أراد الإمبراطور تشين شي هوانغ أن يرافقه جيشه إلى العالم الآخر وأن يحمي ضريحه بعد موته وقد نجح جيش الطين في أداء مهمته بطريقة لم يتوقعها أحد لم يحرس الضريح فقط بل بقي شاهداً على الإمبراطور وعصره وحمل قصته عبر أكثر من ألفي عام حتى وصلت إلينا اليوم.

واليوم وأنا أنظر إلى الصين الحديثة شعرت أن جيش التيراكوتا لم يعد بالنسبة لي مجرد أثر من الماضي بل أصبح صورة تختصر مسيرة بلد حافظ على جذوره وتاريخه وفي الوقت نفسه واصل بناء مستقبله بثقة وإصرار.

جيش التيراكوتا ظل واقفاً منذ ألفي عام… والصين ظلت تبني.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...