الذكاء الاصطناعي والتعليم الفلسطيني: من سؤال الاستخدام إلى سؤال السيادة التربوية
الكاتب: د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
شاركت يوم الأربعاء 23 أيلول/سبتمبر 2026، في منتدى "الذكاء الاصطناعي والتعليم في فلسطين" الذي نظمه الائتلاف التربوي الفلسطيني وجامعة القدس المفتوحة بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم العالي. ولم تكن أهمية المنتدى، في تقديري، نابعة فقط من الموضوع الذي تناوله، بل من السؤال الأعمق الذي وضعه أمامنا جميعاً: كيف نريد نحن، كفلسطينيين، أن ندخل عصر الذكاء الاصطناعي؟
فالمنتدى لم يُبنَ على افتراض أن الذكاء الاصطناعي خير مطلق ينبغي الاحتفاء به، ولا على أنه خطر ينبغي إغلاق الأبواب أمامه، وإنما على البحث عن استخدام مسؤول وإنساني يراعي العدالة التعليمية، والهوية، والخصوصية، والتفكير النقدي، وخصوصية الواقع الفلسطيني. وهذه، برأيي، هي نقطة البداية الصحيحة.
وقد أكد النقاش الذي جرى في المنتدى أن المسألة لم تعد تتعلق بإدخال أداة تقنية جديدة إلى الصفوف الدراسية. نحن أمام تحول يمس فلسفة التعليم نفسها: دور المعلم، ودور الطالب، وطبيعة المعرفة، وطرق التقويم، والبحث العلمي، والملكية الفكرية، وحتى معنى أن نقول إن الطالب "تعلم".
والسؤال الذي طرحته في كلمتي كان بسيطا في صياغته، لكنه كبير في دلالاته: لم يعد السؤال: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نستخدمه؟ ولأي غاية؟ وتحت أي ضوابط؟
المسألة أكبر من أدوات ذكية. هناك ميل طبيعي عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي إلى التركيز على الأدوات: أي برنامج نستخدم؟ ماذا يستطيع أن يكتب؟ كيف ينتج الصور؟ وكيف يساعد الطالب أو المعلم؟
لكن المشكلة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير. إذا أصبح الطالب قادرا خلال ثوانٍ على الحصول على مقالة، أو حل مسألة، أو تلخيص كتاب، فإن السؤال التربوي لم يعد فقط: هل أجاب إجابة صحيحة؟ بل: هل فهم؟ هل حلّل؟ هل تحقق؟ هل يستطيع الدفاع عن الإجابة؟ وهل ما قدمه يعكس تعلمه الحقيقي أم قدرة الأداة التي استخدمها؟
ولهذا وضع الإطار المرجعي للمنتدى قضية التحول من التركيز على المنتج النهائي إلى توثيق عملية التفكير والتعلم، إلى جانب التفكير النقدي والإبداع والاستقلالية الفكرية، في قلب النقاش حول التقويم في عصر الذكاء الاصطناعي.
وهذه ليست مسألة فلسطينية وحدها. فاليونسكو تؤكد في إطارها الخاص بكفايات الطلبة أن المطلوب ليس إعداد متلقين سلبيين للذكاء الاصطناعي، بل متعلمين قادرين على فهمه وتطبيقه والمشاركة في إنتاجه بصورة نقدية وأخلاقية ومسؤولة.
المعلم لن يختفي ،، لكن المعلم التقليدي سيتغير: من أكثر الأسئلة التي تثار اليوم: هل سيحل الذكاء الاصطناعي مكان المعلم؟
أعتقد أن صياغة السؤال بهذه الطريقة مضللة.
المعلم لن يصبح أقل أهمية، لكن وظيفته ستتغير جذريا. في بيئة يمكن فيها للطالب الوصول إلى كم هائل من المعلومات والإجابات، يصبح المعلم أكثر حاجة إلى أن يكون قادرا على بناء السؤال، وتوجيه الطالب، واختبار صدقية المعلومات، وتنمية التفكير النقدي، وملاحظة الفروق الفردية، والحفاظ على البعد الإنساني والأخلاقي في عملية التعلم.
واليونسكو نفسها تصف التحول من علاقة "معلم–طالب" إلى علاقة أكثر تعقيدًا تضم المعلم–الذكاء الاصطناعي–الطالب، وقد وضعت إطارا يتضمن 15 كفاية للمعلمين موزعة على خمسة مجالات، من بينها المنظور الإنساني، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وأسسه وتطبيقاته، وتوظيفه تربويًا، والتعلم المهني المستمر.
وهذا يقودني إلى إحدى أهم القضايا التي طرحتها خلال المنتدى: لا يكفي أن نزود مدارسنا بأدوات الذكاء الاصطناعي، بل نحن بحاجة إلى برنامج وطني لبناء كفايات المعلمين.
فالاستثمار في المعلم يجب أن يسبق الاستثمار في الأداة. لماذا القضية أكثر إلحاحا فلسطينيًا؟
في فلسطين، لا يمكن فصل النقاش التكنولوجي عن الواقع السياسي والاجتماعي والتعليمي الذي نعيش فيه.
نحن نتحدث عن منظومة تعليمية تعمل في ظل الاحتلال، وتتعرض للانقطاع، وتواجه تفاوتا في الوصول إلى التكنولوجيا والاتصال والموارد، إضافة إلى ظروف الطوارئ المستمرة.
وهنا يظهر وجهان متناقضان للذكاء الاصطناعي. الوجه الأول يحمل فرصًا مهمة: التعلم الشخصي، وتشخيص فجوات التعلم، ومساعدة المعلم في إعداد المواد والتقويم، وإتاحة مصادر معرفة أوسع، وتقديم أدوات مساعدة للطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة، ودعم استمرار التعلم عندما يتعذر الوصول إلى المدرسة أو الجامعة.
وقد خصص المنتدى بالفعل مجموعات عمل للمناهج وطرائق التدريس، وأدوات التقييم والاختبارات، والأخلاقيات والتحديات، واستخدام الذكاء الاصطناعي لدعم الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة.
أما الوجه الثاني، فهو أن التكنولوجيا يمكن أن تعيد إنتاج عدم المساواة وتعميقه. فمن يملك جهازا أفضل، واتصالًا أسرع، واشتراكًا في الأدوات الأكثر تقدما، ومعلما مدربا على استخدامها، سيكون في وضع مختلف تماما عن طالب لا تتوافر له هذه الإمكانات.
لهذا فإن الفجوة الرقمية ليست قضية تقنية، بل قضية عدالة تعليمية. وقد جعل الإطار المرجعي للمنتدى هذه المسألة جزءا أصيلًا من أهدافه ومحاوره، إلى جانب الخصوصية، والانحياز الخوارزمي، واللغة والهوية، والبيانات التعليمية الفلسطينية.
من الاستخدام إلى الحوكمة
أحد الأخطاء التي ينبغي أن نتجنبها هو أن تنتشر الأدوات أولا، ثم تبدأ المؤسسات بعد سنوات في محاولة تنظيم استخدامها.
اليونسكو حذرت مبكرا من أن سرعة تطور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تتجاوز في كثير من الحالات قدرة التشريعات والسياسات التعليمية على مواكبتها، وهو ما يخلق مشكلات تتعلق بحماية البيانات وغياب معايير واضحة لتقييم الأدوات قبل استخدامها في التعليم.
ومن هنا فإنني أرى أن فلسطين بحاجة إلى إطار وطني لأخلاقيات وحوكمة الذكاء الاصطناعي في التعليم.
إطار يجيب عن أسئلة محددة: من يملك بيانات طلابنا؟ أين تخزن؟ ما الذي يجوز إدخاله إلى منصات الذكاء الاصطناعي وما الذي لا يجوز؟ كيف نحمي بيانات الأطفال؟ كيف نضمن عدم التمييز أو الانحياز؟ متى يكون استخدام الطالب للذكاء الاصطناعي مشروعًا، ومتى يتحول إلى إخلال بالنزاهة الأكاديمية؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تنتج الخوارزمية معلومة خاطئة أو قراراً منحازاً؟
هذه ليست أسئلة للمستقبل. إنها أسئلة الحاضر. وتضع اليونيسف في استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي 2025–2030 مبادئ واضحة تشمل الخصوصية، وعدم التمييز، والشفافية، والمساءلة، والإشراف البشري، والشمول؛ وهي مبادئ ينبغي أن تكون حاضرة بقوة عند بناء أي سياسة تعليمية فلسطينية في هذا المجال.
اللغة والهوية ليستا تفصيلاً
هناك جانب آخر أعتبره بالغ الأهمية: من يمثلنا داخل الذكاء الاصطناعي؟ هذه النماذج تتعلم من كميات هائلة من البيانات والمحتوى الذي لم ينتج معظمه في بيئتنا، ولا بلغتنا، ولا وفق روايتنا التاريخية والثقافية.
ولذلك يصبح إنتاج محتوى فلسطيني رقمي عالي الجودة مسألة تتجاوز التعليم إلى السيادة المعرفية. إذا لم ننتج المعرفة الفلسطينية رقميًا، وننظمها، ونوثقها، ونزيد حضور اللغة العربية والسردية الفلسطينية داخل فضاء المعرفة العالمي، فسنجد أنفسنا أمام أدوات شديدة القوة تعرف عنا من خلال ما كتبه الآخرون أكثر مما تعرفنا من خلال ما كتبناه نحن. ولهذا كان من المهم أن يضع المنتدى اللغة العربية، والهوية الثقافية، والسردية الفلسطينية ضمن محاوره الأساسية.
نحن لا نبدأ من الصفر
من المهم كذلك ألا نتعامل مع الموضوع وكأن فلسطين تقف عند نقطة البداية. فالائتلاف التربوي الفلسطيني سبق أن نفذ تدريبات للشباب حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وناقش التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التعليم ضمن فعاليات سابقة. كما نفذت جامعة القدس المفتوحة في 2026 ورشات متخصصة حول توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي، وأطلقت مسارات أكاديمية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته والتعليم والتعلم.
كما بدأت تظهر دراسات فلسطينية حول استخدام الطلبة والباحثين للذكاء الاصطناعي، وحول توظيفه في التخطيط للدروس والتقييم في ظروف الأزمات التعليمية.
وهذا يعني أن لدينا بالفعل بذور تجربة فلسطينية يمكن البناء عليها. لكن ما ينقصنا هو الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى السياسة الوطنية المتكاملة.
ماذا بعد المنتدى؟
لهذا كنت حريصا في كلمتي على ألا يبقى المنتدى مساحة جيدة للنقاش فقط.
المطلوب، في تقديري، خمس خطوات مترابطة:
أولاً: إعداد إطار وطني فلسطيني للاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في التعليم.
ثانياً: بناء برنامج وطني لكفايات الذكاء الاصطناعي للمعلمين والطلبة والقيادات التربوية.
ثالثاً: تطوير قواعد واضحة بشأن التقويم والنزاهة الأكاديمية والملكية الفكرية وحوكمة البيانات.
رابعاً: الاستثمار في المحتوى الفلسطيني والعربي والأدوات المفتوحة ومنخفضة التكلفة، حتى لا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى امتياز لمن يستطيع الدفع فقط.
خامساً: إنشاء أجندة بحثية فلسطينية تدرس أثر الذكاء الاصطناعي في التعلم، واللغة، والهوية، وسوق العمل، والعدالة التعليمية، والأطفال، وذوي الإعاقة، والتعليم في حالات الطوارئ.
وهذه الاتجاهات ليست بعيدة عن المخرجات التي وضعها المنتدى نفسه، والتي تشمل وثيقة موقف فلسطينية، وتطوير مساحة للمتابعة، وتحديد أولويات للسياسات والبحث، ووضع أجندة بحثية وطنية حول الذكاء الاصطناعي والتعليم.
ولهذا اقترحت تشكيل فريق وطني مشترك للذكاء الاصطناعي والتعليم يجمع وزارة التربية والتعليم العالي والجامعات والباحثين والمعلمين والمجتمع المدني والقطاع التقني، ويتولى تحويل النقاش إلى إطار سياساتي وبرنامج عمل ومؤشرات قابلة للمتابعة.
أخيراً: أي تعليم نريد؟ ربما يكون هذا هو السؤال الأهم.
فالذكاء الاصطناعي سيستطيع أن يكتب أكثر، ويحسب أسرع، ويسترجع معلومات أكثر مما يستطيع الإنسان. لكن وظيفة التعليم لم تكن يومًا أن نصنع إنسانا ينافس الآلة في سرعة استرجاع المعلومات.
وظيفة التعليم أن نصنع إنسانا يفكر، ويسأل، وينقد، ويختار، ويبدع، ويتحمل المسؤولية. ومن هنا، فإن التحدي الذي يواجه التعليم الفلسطيني ليس إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المدارس والجامعات فحسب، بل أن ندخله دون أن نُخرج منها الإنسان.
لسنا أمام معركة بين الإنسان والتكنولوجيا. المعركة الحقيقية هي على من يقود من. هل ستقود التكنولوجيا تعليمنا وفق منطق الأدوات والشركات والخوارزميات؟ أم سنبني نحن رؤية فلسطينية تجعل التكنولوجيا في خدمة الإنسان، والعدالة، والتعليم، والهوية، والحق في المعرفة؟
كانت مشاركتي في المنتدى مناسبة لتعزيز هذا النقاش، لكن الأهم أن يتحول ما قيل إلى مسار وطني مستمر. فالذكاء الاصطناعي ليس قضية تقنية عابرة في أجندة التعليم. إنه واحد من الأسئلة التي ستحدد شكل المدرسة والجامعة، وطبيعة المعرفة، ونوعية الإنسان الذي نريد أن نبنيه للسنوات المقبلة.



