مش عيب يا جماعة ؟
الكاتب: د. عدنان ملحم
موسم الزيتون في فلسطين ، حكاية عشق وألفة وانتماء ، وروابط ممتدة مع الجغرافيا والتاريخ . كان موعدا تلتقي فيه الأرض مع الناس ، والروح مع الجسد . وعدّه المجتمع الفلسطيني عرسا جماعيا ، تلتقي فيه حبة الزيتون مع لقمة العيش وتفاصيل الحياة ، وأهازيج الفرح مع نقاط المطر والزيت ، وضوء الشمس مع حدود النهار .
وتعده الحركة الطلابية في الجامعات الفلسطينية عرسا وطنيا بمعنى الكلمة . تتواصل مع المجالس البلدية والقروية ، وتجهز جداول بأسماء المناطق التي تحتاج إلى المساعدة ، خاصة تلك القريبة من المستعمرات والطرق الالتفافية . وتنظم المواعيد الملائمة للعمل المجتمعي والتطوعي المقصود ، وتنسق مع القرى والبلدات والأهالي لانجازه . وتعلن الدعوات للطلبة الراغبين بالمشاركة ، وتسجل الأسماء ، وتنظم الفرق والمشرفين ، وتحجز الحافلات العامة لنقل الطلبة إلى مواقع النشاط .
في صباح اليوم المحدد ، تتوزع الحافلات : واحدة إلى يعبد ، وأخرى إلى عنبتا ، وثالثة إلى سلفيت ، ورابعة إلى دير جرير ، وخامسة إلى قصرة ، وسادسة إلى قلقيلية ، وسابعة إلى بيت ساحور، وغيرها من القرى والبلدات.
طلبة يرتدون الملابس المناسبة للنشاط ، ويحملون الحقائب التي تضم ما سيحتاجونه في رحلتهم . يرافق كل مجموعة مشرفون من مجالس الطلبة والجامعة على حد سواء ، وأشخاص يعرفون المناطق المستهدفة وأهلها وتفاصيل المكان .
وفي الطريق ، تتحول الحافلات من وسائل نقل إلى مجمعات فرح؛ صوت الأغاني الوطنية والتراثية يصعد إلى أعالي الجبال ، ويختلط بضحكات وحكايا الطلبة ، وكأن فلسطين كلها تسافر معهم . وعند الوصول ، تتم مراسم الاستقبال في مبنى البلدية أو المجلس القروي أو المدرسة : كلمات قصيرة ، وتوزيع للمجموعات .
كل شيء يبدو منظما . بيوت تستقبل الطالبات ، وأخرى الطلاب ، مع مراعاة خصوصية العائلات وحاجاتها ومكوناتها . وفي الأرض ، كانت أدوات الموسم حاضرة: السلالم ، والعصي ، والقفاف، والشراشف التي تُفرش تحت الأشجار .
نار صغيرة للقهوة والشاي، وفطور بسيط: زيت، وجبنة، وزعتر، وبندورة، وخيار، وخبز " رخو" . وفي الغداء ، مقلوبة أو مسخن أو مجدرة . وبعدها شيء من الحلوى: مهلبية أو هريسة . لم يكن الطعام مجرد غذاء . كان جزءا من العلاقة بين الطالب والبيت ، وبين المدينة والقرية ، وبين الجامعة والأرض . الميجنا والشبابة حاضرتان في المكان ، وأصابع الطلبة تلتقط الزيتون حبة حبة .
وعندما يقترب المساء ، تعود المجموعات إلى البيوت المضيفة . وعلى الوجوه تعب واضح ، وعلى الأجساد إرهاق مستكين . ومع الركب ، حمير وبغال تحمل محصول الزيتون ، وتسير في دروبها المعتادة. وصوت فرقة العاشقين يخترق الآفاق من مسجل ضخم يحمله شاب متمرد .
وفي الجهة الأخرى، يراقب المحتل الحدث . يبحث عن المتطوعين ، ويلاحقهم ، ويحاول الوصول إليهم . وكانت هناك فرق مختصة تعرف كيف تخفي الشباب ، وتنقلهم من حارة إلى أخرى، ومن بيت إلى آخر .
أتحدث هنا عن تجارب العمل الجماهيري المجتمعي التطوعي التي قادتها الجامعات الفلسطينية في ثمانينيات القرن الماضي ، وفي مقدمتها: بيرزيت ، والنجاح ، وبيت لحم ، والخليل ، والبوليتكنك، والقدس ، ومعها النقابات المهنية والاتحادات والمؤسسات المدنية جمعاء .
أين جامعاتنا ومعاهدنا التي كانت قواعد حرية وقلاع علم وعمل وطني ومجتمعي وتطوعي؟ أين جحافل الكتل الطلابية: قياداتها وكوادرها وأعضائها ومناصريها ؟ أين اتحادات مجالس الطلبة؟ أين عمادات شؤون الطلبة؟ أين وزارة التعليم العالي؟ هل أصبحت هذه المؤسسات والعناوين تعمل في مواسم محددة ، ونشاطات معينة ، وأوقات مختارة ، ولا تقترب من حركة المجتمع ومتطلباته الضرورية ؟ .
نحن بحاجة إلى إعادة بعث الحياة في هياكل العمل الطلابي والمجتمعي الفلسطيني . لا نريدها كيانات موسمية تظهر في مناسبات مختارة ومحددة فقط. نريدها حاضرة في الأرض: خلال مواسم الزيتون ، وفي القرى المهددة ، وفي الأغوار المستباحة ، وإلى جانب المزارع الذي يعمل في أرضه ، والقرى التي يداهمها الخوف والضياع ، وإلى جوار الناس الطيبين في هذا البلد الموجوع حد الصراخ .
العمل الجماهيري الجمعي المنظم والمنضبط سلاح مهم حين نحسن استخدامه وتوجيهه ، وفي حالتنا الفلسطينية يقبع اليوم في غرفة الإنعاش والعناية الحثيثة ، وأشبه بطقس موسمي ؛ يظهر في المناسبات الرسمية ، ويضاف اسمه ورسمه إلى الخطب الرنانة ، قبل أن يعود إلى صمته ثانية .
لنعترف : المسؤولية لا تقع على طرف واحد . نحن جميعا جزء من هذا الواقع . نعرف الخلل ، ونرى الضعف ، ونشاهد الوهن ، ونعرف أن كثيرا من الهياكل التي كانت يوما قلب المجتمع الفلسطيني أصبحت اليوم بعيدة عن نبضه . والتاريخ لا يحاكم الذين اتخذوا القرارات فقط . سيحاكم أيضا الذين رأوا السفينة تغرق ، واكتفوا بمراقبة الماء وهو يرتفع .
موسم الزيتون يقترب . فهل نستعيد شيئا من تلك الروح؟ هل تعود الجامعات إلى الأرض؟ هل ترجع مجالس الطلبة إلى تاريخها ودورها؟ هل تعود الحركة الطلابية إلى عوالمها؟ .
ألا يستحق الوطن المحاصر والموجوع والجائع إعلان أسبوع وطني شامل لحماية شجرة الزيتون؟ الموظفون المدنيون والعسكريون والطلاب والشركات ومؤسسات القطاع الخاص، كل في منطقته، دفاعًا عنها، وعونا لعشاقها وزراعها . 150 ألف شجرة زيتون تم جرفها وتدميرها منذ عام 2020 حتى الآن . يقول الجناة صراحة: " نحن نقتل أعز ما يملك الفلسطيني : شجرة الزيتون ".
" مش عيب " أن تشد مجموعات من المناصرين الأجانب الرحال، دفاعا عن الزيتون وأصحابه ، والأرض وأهلها ، والأغوار وبدوها ، وعن البيوت التي تهدم وتحرق وتحاصر؟ "معقول " نرفع علم جزر المالديف، وجواز سفر جمهورية نيريا، حتى نحمي حالنا وشجرنا وبيوتنا ؟ إحنا مش إحنا، كلنا تغيرنا، "شلحنا" ملابسنا القديمة ، قلعنا قناعاتنا ، وهجرنا الجغرافيا والتاريخ ، وصرنا نتفرج على بلادنا، كأنها غريبة عنا ! .



