نابلس تستعد للفرح… حين تصبح المدينة مهرجاناً والفرح اقتصاداً وأملاً
الكاتب: منير عارف قليبو
مهرجان «الأصل فلسطيني»… فرصة لإنعاش الأسواق ودعم المنتج الوطني وإعادة الحياة إلى مدينة تستحق الفرح
بقلم وعدسة: منير عارف قليبو – القدس
في زمن تتراكم فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتراجع فيه القدرة الشرائية، وتتقلص فرص العمل، وتثقل فيه الحرب على غزة كاهل الضمير الفلسطيني، تستعد مدينة نابلس لاستقبال الدورة الخامسة من مهرجان «الأصل فلسطيني»، المعلن عن انطلاقه في الرابع عشر من تشرين الأول 2026، على مدار أربعة أيام.
وقد يبدو الحديث عن المهرجانات والاحتفالات مستغرباً في ظل هذه الظروف القاسية، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل نتوقف عن الحياة إلى أن تنتهي أزماتنا، أم نحاول أن نصنع من داخل هذه الأزمات فرصاً للعمل والإنتاج والأمل؟
أعتقد أن الإجابة تكمن في طبيعة المهرجان وأهدافه، وفي مدى قدرته على تحويل الفرح إلى منفعة اقتصادية واجتماعية حقيقية، لا إلى مجرد احتفال عابر تنطفئ أضواؤه بعد أيام قليلة.
نابلس ليست مدينة عادية في الذاكرة الفلسطينية. إنها مدينة الصناعة والتجارة والعلم والثقافة، مدينة الأسواق العتيقة والصابون والكنافة والحرف التقليدية، وواحدة من أهم مراكز النشاط الاقتصادي الفلسطيني. غير أن هذه المدينة، شأنها شأن بقية المدن الفلسطينية، عانت كثيراً من القيود المفروضة على الحركة والتنقل، وتراجع النشاط التجاري وانكماش الأسواق.
من هنا تأتي أهمية المهرجان، فهو ليس مجرد مناسبة للتسوق والترفيه، وإنما فرصة لإعادة تنشيط الحركة الاقتصادية، وتشجيع المنتج الوطني، وإتاحة المجال أمام الشركات والمشاريع الصغيرة والعائلية للوصول إلى جمهور أوسع.
ولعل التجارب السابقة تقدم مؤشراً على الإمكانات المتاحة. فقد أُعلن عن تسهيل وصول نحو 300 ألف زائر خلال الدورة الرابعة من المهرجان، التي أقيمت في بلدة صرّة بمحافظة نابلس في تشرين الثاني 2025 وهو رقم يستحق الاهتمام، مع ضرورة التمييز بين أعداد الزوار والعائد الاقتصادي الفعلي الذي حققته المناسبة.
ولكن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الزوار وحده، وإنما بحجم المبيعات، وعدد فرص العمل التي يجري توفيرها، ومشاركة المشاريع الصغيرة، واستفادة المطاعم والفنادق ووسائل النقل والأسواق المحلية من النشاط المصاحب.
وأرى أن أحد الجوانب المشجعة في الدورة المقبلة هو الإعلان عن تخصيص «جناح مدينة نابلس»، بهدف إبراز تاريخ المدينة وتراثها ومعالمها وهويتها. وأتمنى ألا تقتصر هذه المبادرة على جناح داخل المهرجان، بل أن تتحول إلى برنامج سياحي وثقافي متكامل، يشجع الزوار على اكتشاف المدينة والتجول في أسواقها وبلدتها القديمة والتعرف إلى حرفييها ومطاعمها ومواقعها التاريخية.
فلماذا لا تكون زيارة المهرجان مناسبة لقضاء يوم كامل في نابلس، وربما ليلة أو أكثر، بدلاً من الاكتفاء بساعات محدودة داخل المعرض؟ ولماذا لا يجري إشراك الأدلاء السياحيين والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة والشباب والنساء في برنامج اقتصادي وثقافي يمتد أثره إلى ما بعد انتهاء الفعاليات؟
ولأنني أؤمن بأن الصورة تستطيع أحياناً أن تقول ما تعجز عنه الكلمات، فقد اخترت أن أرافق هذه المقالة بمجموعة من الصور التي التقطتها بعدستي لمدينة نابلس، بأسواقها وأحيائها ومشاهدها اليومية وتفاصيلها المعمارية والإنسانية. إنها دعوة مفتوحة لاكتشاف جمال المدينة، والتجول في أزقتها، والتعرف إلى تراثها وأهلها، ودعم اقتصادها المحلي. ويمكن للقراء مشاهدة المزيد من صوري عبر معرضي الفوتوغرافي على منصة Picfair، الذي أضع رابطه في نهاية المقالة.
كما أتمنى أن نشهد تعاوناً وثيقاً بين البلدية وغرفة التجارة والجهات السياحية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، بحيث تتحول المناسبة إلى نموذج عملي للتنمية الاقتصادية المحلية.
ومن المهم أيضاً ألا ننسى أن الاقتصاد الفلسطيني يعيش ظروفاً استثنائية، وأن آلاف الأسر تعاني من البطالة وتراجع الدخل وتأخر الرواتب. لذلك ينبغي أن يراعي المهرجان القدرة الشرائية للمواطنين، وأن يقدم عروضاً حقيقية، وأن يفسح المجال أمام المشاريع الصغيرة والأسر المنتجة، لا أن تقتصر الاستفادة على الشركات الكبرى.
وهنا أوجه تحية لكل من يبادر إلى تنظيم نشاط اقتصادي في هذه الظروف الصعبة، مع التأكيد أن المسؤولية لا تنتهي عند افتتاح المهرجان أو تسجيل أعداد كبيرة من الزوار. المطلوب قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي ونشر نتائجه، والاستفادة من التجربة في مدن فلسطينية أخرى.
ومن القضايا الأساسية التي تستحق الاهتمام مسألة حرية الحركة والوصول. فنجاح أي مهرجان يعتمد على قدرة المواطنين على الوصول إليه والعودة إلى منازلهم بسلام، ولا سيما أبناء المحافظات الأخرى وأهلنا في الداخل الفلسطيني. ونأمل ألا تتحول الحواجز والإغلاقات والقيود المفروضة على التنقل إلى عائق يحرم المواطنين والتجار من هذه الفرصة.
أما القضية الأكثر حساسية، فهي كيفية التوفيق بين الفرح والتضامن الإنساني. لا يمكن أن نتجاهل ما يعانيه أهلنا في غزة، ولا ما تمر به آلاف الأسر الفلسطينية من ظروف معيشية ونفسية بالغة الصعوبة. ولكن التضامن الحقيقي لا يعني بالضرورة إغلاق الأسواق أو وقف النشاط الاقتصادي أو حرمان الأطفال والعائلات من كل مناسبة اجتماعية.
بل يمكن للمهرجان أن يقدم نموذجاً مختلفاً، يجمع بين النشاط الاقتصادي والتكافل الاجتماعي، من خلال تخصيص مبادرات لدعم الأسر المتضررة، وتشجيع المساهمات الإنسانية، وإشراك المؤسسات الخيرية في أنشطته.
وأتمنى أن تكون الاحتفالات مسؤولة ومتوازنة، بعيدة عن مظاهر البذخ والإسراف والاستعراض المبالغ فيه، احتراماً لمعاناة الآخرين ومشاعرهم. إننا بحاجة إلى الفرح، ولكننا بحاجة أكبر إلى أن يكون فرحاً منتجاً، يعيد الأمل إلى الناس ويترك أثراً ملموساً في حياتهم.
ومن هذا المنطلق، فإنني أتطلع إلى أن يصبح مهرجان «الأصل فلسطيني» تجربة تتجاوز حدود مدينة نابلس، وأن يشكل نموذجاً يمكن تكراره في مدننا الفلسطينية، بما فيها القدس والخليل ورام الله وبيت لحم وجنين وطولكرم وغيرها.
فاقتصادنا بحاجة إلى المبادرات لا إلى الانتظار، وإلى التعاون لا إلى التنافس السلبي، وإلى الاستثمار في طاقات الشباب والنساء والمشاريع الصغيرة، وإلى إعادة بناء جسور التواصل بين المدن الفلسطينية التي أنهكتها الحواجز والقيود الاقتصادية.
وأخيراً، أتمنى لنابلس وأهلها وتجارها وصناعييها ومنظمي المهرجان النجاح والتوفيق، وأن نرى المدينة وقد امتلأت أسواقها بالزوار، وانتعشت تجارتها، وعادت البسمة إلى وجوه أطفالها وأهلها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتمناه هو ألا تغلق الحواجز أبواب الفرح، وألا تتحول هذه المبادرة إلى مناسبة عابرة، بل إلى بداية موسم اقتصادي وسياحي يعيد بعض الحياة إلى مدننا.
فليكن الفرح هذه المرة فرصة للعمل، وليكن التسوق دعماً للإنتاج، ولتكن نابلس نموذجاً لمدينة تصنع الأمل رغم كل الظروف وليكن لغزة نصيبا من مردود هذا العمل الوطني الواعد هذا ايماناً منا بان الوطن واحد والقلب واحد والجرح واحد وكلمة اخيرة للمنظمين : رجاءا لا تنسوا غزة ونحن على عتبات الشتاء فليكن هناك نافذة امل ودعم لصمودهم في اصعب الاوقات
نابلس بعدستي – معرض الصور الفوتوغرافية: اضغط هنا



