أَنْ تَبْكِيَ أَنْتَ يا سَيِّدَ جون باغوت أَفْضَلُ مِنْ أَنْ تَبْكِيَ أمٌ عَرَبِيَّة
الكاتب: د. محمد عودة
يُروى أن أحد هؤلاء الضباط، فهاد الخرشة وبادي عواد ورفاقهما، قال موجّهًا كلامه إلى غلوب باشا: «أن تبكي أنت يا سيد جون باغوت أفضل من أن تبكي أي أم عربية». كان ذلك أثناء توجه قوة أردنية بقيادة غلوب باشا للمشاركة في العمليات البريطانية ضد حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق.
ففي ربيع عام 1941، لم تكن بغداد تعيش أزمة سياسية عادية، بل كانت تقف فوق برميل بارود. ففي الأول من نيسان/أبريل، أطاح رشيد عالي الكيلاني وحلفاؤه بالحكومة الموالية للبريطانيين، مستندين إلى قوة أربعة ضباط كبار عُرفوا باسم «المربع الذهبي»: صلاح الدين الصباغ، كامل شبيب، محمود سلمان، وفهمي سعيد. وكان الصراع يتجاوز تغيير حكومة أو إزاحة شخصيات سياسية إلى سؤال أكبر عن مصير العراق: من يملك قرار البلاد؟ وما حدود النفوذ البريطاني فيها؟ وأي موقع ينبغي أن تحتله في الحرب العالمية التي كانت تعصف بالمنطقة والعالم؟
وكان عبد الإله بن علي الهاشمي، الوصي على العرش، في قلب ذلك الصراع، وحين شعر بأن الحركة تستهدفه، غادر بغداد إلى القاعدة البريطانية في الحبانية، ومنها نُقل عبر القدس إلى عمّان، ولم تنته الأزمة بخروجه، بل دخلت مرحلة جديدة وحاسمة: بريطانيا ستتدخل عسكريًا لإعادة الوصي، وستتحول الأزمة العراقية إلى حرب مفتوحة.
وفي هذه اللحظة، دخل شرق الأردن إلى قلب المشهد؛ فقد اتخذ الأمير عبد الله الأول موقفًا مناهضًا لحركة الكيلاني ووقف إلى جانب البريطانيين، بينما كان جون باغوت غلوب، المعروف بغلوب باشا، أحد أبرز رجال المنظومة العسكرية التي شاركت في التحرك البريطاني. وهكذا أصبح العراق، الذي يبعد مئات الكيلومترات، حاضرًا في قرار عسكري أردني، وأصبح الجندي الأردني يجد نفسه أمام حرب لم تبدأ في بلاده، ولا يدور طرفها الآخر على حدودها. وكانت قوات شرق الأردن والجيش العربي جزءًا من العمليات البريطانية في العراق، بما فيها التحرك نحو الرطبة عبر محطتي H3 وH4.
لكن المسألة لم تكن مجرد انتقال قوة من مكان إلى آخر. فالحرب التي اندلعت بين البريطانيين وحركة عربية في العراق أخذت تضع جنودًا عربًا في مواجهة عرب آخرين، كما يحدث الآن في منطقة الخليج واليمن. ومن هنا خرج السؤال الذي سيصل لاحقًا إلى محطة «H3»: ماذا يحدث عندما يصبح العربي مطالبًا بأن يحمل بندقيته ضد عربي آخر، ومن يملك أصلًا حق تحديد العدو؟
لقد كان الطريق إلى الإجابة يمر عبر الصحراء، إلى محطة الضخ الواقعة على طريق العراق، H3. وهناك وصلت قوة من قوات حدود شرق الأردن أُرسلت للمشاركة في العمليات، لكن القوة لم تواصل طريقها؛ فقد تمرد ضباطها وجنودها ورفضوا الاستمرار، فأُلقي القبض عليهم وجُرّدوا من أسلحتهم وأعيدوا إلى الأزرق. وتشير الروايات التاريخية إلى أن المتمردين كانوا بالمئات، وأن السلطات البريطانية تجنبت محاكمة جماعية واسعة خشية تأثيرها في وحدات عربية أخرى، وانتهى الأمر بتسريح نحو 500 رجل.
غير أن الرواية لا تتوقف عند مجرد رفض التقدم؛ إذ تروي أن مجموعة من الضباط الأردنيين واجهت جون باغوت غلوب نفسه، ووجّهت البنادق إليه، وهددته بإطلاق النار إذا لم يُعدهم إلى قاعدتهم في الأزرق. وهنا تغيّر معنى العصيان كله؛ فلم يعد الأمر يتعلق برجال يرفضون أمرًا عسكريًا فحسب، وإنما برجال وضعوا القائد نفسه أمام فوهات بنادقهم، وقالوا له عمليًا إن هناك أمرًا لن يُنفّذ.
وكان بين هؤلاء الضباط: مظهر الدريبي، فهاد الخرشة، بادي عواد، جورج عودة، كمال الملى، الطقطقي، سمعان بولص، سليم الشعيني، وآخرون. وهذه الأسماء مهمة لأنها تعيد الواقعة من مستوى الحكاية العامة إلى مستوى الرجال الذين كانوا داخلها؛ رجال وجدوا أنفسهم في لحظة فاصلة بين الطاعة التي تفرضها المؤسسة العسكرية، والحد الذي يضعه الانتماء أمام البندقية، وهو ما عكس بوضوح حالة الوعي القومي المبكرة التي بدأت تتشكل داخل نواة الجيش العربي تجاه قضايا الأمة وقضاياها المصيرية، بعيدًا عن الحسابات الاستعمارية الضيقة.
يُروى أيضًا أن غلوب كان معروفًا بإخفاء مادة يستخدمها لإثارة الدموع، وأنه لجأ إليها في محاولة لتهدئة الضباط واستدرار تعاطفهم، لكن أحدهم رد عليه بالعبارة التي اختزلت المشهد كله: «أن تبكي أنت يا سيد جون باغوت أفضل من أن تبكي أي أم عربية».
وفي ظاهرها، تبدو العبارة ردًا على محاولة غلوب التأثير فيهم، لكن قوتها الحقيقية أنها نقلت المواجهة من مستوى الأوامر العسكرية إلى مستوى الإنسان. فالجندي الذي يُطلب منه أن يذهب إلى الحرب ليس بندقية تتحرك بأمر، بل ابن أم، وأخ، وأب؛ وعندما يصبح الطرف الذي سيطلق عليه النار عربيًا مثله، لا يعود السؤال عن تنفيذ الأمر منفصلًا عن السؤال عن معنى الحرب نفسها. ولهذا كان H3 أكثر من مجرد محطة في الطريق إلى العراق؛ فهناك اصطدمت الطاعة بالانتماء، واصطدم الأمر العسكري بالسؤال الذي لم تستطع القيادة أن تمنعه: لماذا نقاتل؟
ولم تنته المواجهة بانسحاب القوة إلى الأزرق، فقد كان لا بد من احتواء آثارها، لأن تمرد مئات الرجال لا يمكن اختزاله في حادثة فردية. وتشير الروايات إلى أن السلطات اتجهت إلى تفكيك القوة وتسريح أعداد كبيرة منها، مع احتجاز بعض الضباط وإبعاد آخرين. وكان في ذلك ما يكشف أن الخطر لم يكن في العصيان ذاته فقط، بل في احتمال أن يتحول إلى عدوى فكرية ووطنية تتكرر داخل وحدات عربية أخرى.
ومن هنا تكتسب واقعة H3 دلالتها التي تتجاوز عام 1941 نفسه. فالمشهد لم يعد مجرد ضباط رفضوا تنفيذ أمر، وإنما جنود وضعوا سؤالًا عن معنى السلاح ومَن يُوجَّه إليه في مواجهة مباشرة مع صاحب الأمر. وبعد خمسة وثمانين عامًا، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة، ولكن من موقع مختلف: من بندقية في صحراء H3 إلى كلمة في أروقة الأمم المتحدة.
وفي هذا المعنى يمكن فهم ظهور الملك عبد الله الثاني في الجمعية العامة للأمم المتحدة في مواجهة نتنياهو؛ فالمواجهة لم تعد بالسلاح، وإنما بالكلمة، وإذا كانت بندقية بادي عواد ورفاقه قد قالت لغلوب: لن نكون أدوات في حرب لا نؤمن بها، فإن خطاب الملك أعاد طرح السؤال أمام العالم: إلى أين يمكن أن تصل العنجهية، وإلى متى يستمر الصمت أمام ما يجري؟ لقد تغيّر السلاح من بندقية إلى كلمة منبرية، لكن السؤال بقي حاضرًا: من يملك حق استخدام القوة لفرض الأمر الواقع، ومن يملك حق رفضه؟
وفي الخلفية، كانت حرب العراق عام 1941 قد أخذت مسارها الحتمي؛ ففي بغداد دخل المربع الذهبي في مواجهة مع النفوذ البريطاني، وفي الطريق إليها رفضت القوة الأردنية أن تكون جزءًا من آلة القمع. وبعد أسابيع قليلة، استعادت القوات البريطانية السيطرة على العراق، وعاد عبد الإله إلى بغداد في الأول من حزيران، بينما انتهت حركة الكيلاني وهرب قادتها. لكن انتصار السلاح لم يمحُ السؤال الذي أُثير على الطريق، بل تركه معلّقًا فوق محطة H3: ماذا يبقى من النصر العسكري عندما يرفض الجندي أن يرى في الطرف الآخر عدوًا له؟
ولذلك، فإن قائمة أولئك الأردنيين الذين وقفوا عند H3 ووجّهوا بنادقهم إلى غلوب باشا تستحق التحية، لأنها ذكّرت بأن للجندي حقًا في أن يسأل: لمن أوجّه سلاحي؟ وما القضية التي أحمل من أجلها بندقيتي؟ ولعل ما نحتاجه اليوم من بعض قادة الجيوش العربية هو تعليمات واضحة لا تحتمل الالتباس: السلاح ليس للاعتداء على الآخرين، وليس أداة لحل الخلافات العربية أو العربية الإسلامية، ولا وسيلة لخدمة مشاريع الاستعمار ومصالحه؛ وإنما وُجد للدفاع عن مصالح الأمة وحماية أوطانها في مواجهة أعدائها، وحين يعرف الجندي أن بندقيته للدفاع عن وطنه وأمته، لا للاعتداء على الآخرين، وأنها لا تُوجَّه إلى صدر عربي أو مسلم لحل خلاف أو تنفيذ إرادة خارجية، يصبح الجيش حاميًا للأمة لا أداةً عليها.
ولذلك كله، فإن أسماء مظهر الدريبي، وفهاد الخرشة، وبادي عواد، ورفاقهم، لا يجب أن تبقى هامشًا في سجل عسكري عابر/فقيمة الواقعة ليست في أنها غيّرت نتيجة الحرب، وإنما في أنها أوقفت آلة الأوامر عند سؤال لا يمكن تجاوزه: لمن أوجّه سلاحي؟ وعند H3، لم تتوقف البنادق عن التقدم فحسب، بل توقفت أمام السؤال الذي تختصره الحكاية كلها: هل أقاتل لأنني أُمرت، أم لأن هناك قضية تستحق القتال؟ ومن أجل من، ومن أجل ماذا أقاتل؟ ومن هو عدو.


