الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:12 AM
الظهر 12:29 PM
العصر 3:52 PM
المغرب 6:30 PM
العشاء 7:45 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

من مركزية الخدمة إلى محلية التنمية: عندما تذهب وزارة الزراعة إلى المزارع

الكاتب: سامر سلامة

في فلسطين، لا يمكن النظر إلى الزراعة باعتبارها مجرد نشاط اقتصادي أو مصدراً للدخل. فالزراعة هي علاقة الإنسان بالأرض، والأرض هي أساس الصمود والاستقرار وحماية الموارد الوطنية. ولذلك فإن كل سياسة تساعد المزارع على البقاء والإنتاج والاستثمار في أرضه هي، في جوهرها، سياسة لتعزيز الصمود الفلسطيني.

ومن هنا تبرز أهمية النهج الذي تتبناه وزارة الزراعة في الانتقال من مركزية الخدمة إلى ميدان الخدمة، ومن انتظار المزارع للوصول إلى الوزارة، إلى وصول الوزارة وخدماتها إلى المزارع حيث توجد الأرض والإنتاج. فقد عملت الوزارة على إنشاء وتشغيل 10 دوائر و33 مكتباً زراعياً وبيطرياً في المناطق الريفية والزراعية، بهدف تقريب الخدمات من المزارعين ومربي الثروة الحيوانية وتعزيز حضورها في مناطق الإنتاج، بما فيها المناطق النائية ومناطق (ج).

قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد إعادة توزيع للمكاتب والموظفين، لكنه في الواقع يحمل دلالة تنموية وإدارية أعمق. فالفكرة الأساسية هي أن الخدمة العامة يجب أن تكون حيث يوجد المواطن وحيث توجد الحاجة، لا حيث توجد المؤسسة فقط.

وهذا التحول مهم بصورة خاصة في الظروف التي يعيشها الريف الفلسطيني، حيث تؤدي الحواجز والإغلاقات وتقطيع الطرق وصعوبة التنقل إلى زيادة كلفة الوصول إلى الخدمات الحكومية. ولذلك فإن وجود الموظف الزراعي والبيطري بالقرب من المزارع لا يقلل فقط الوقت والمسافة، بل يسرّع الاستجابة للأمراض والآفات والطوارئ، ويساعد الوزارة على رصد المشكلات قبل تفاقمها.

لكن الأهم أن هذا النهج يفتح الباب أمام مفهوم أوسع هو التنمية المحلية المستدامة.

فالمكتب الزراعي الموجود في القرية أو المنطقة الريفية يمكن ألا يكون مجرد مكان لإنجاز المعاملات، بل منصة لمعرفة الموارد المحلية، ورصد الاحتياجات، وتقديم الإرشاد، ومتابعة المشاريع، وربط المزارعين بالبرامج الحكومية، وتوفير المعلومات التي تساعد على اتخاذ قرارات تنموية أكثر دقة. وبذلك تصبح التنمية مبنية على احتياجات الأرض والمجتمع المحلي، وليس على افتراضات تُصنع بعيداً عن الميدان.

وهنا تبرز أيضاً قيمة أخرى للتجربة، تتمثل في الاستخدام الأمثل للموارد المحلية والعامة. فالوزارة لم تعتمد على استحداث وظائف جديدة، وإنما أعادت توزيع الكوادر البشرية القائمة باتجاه مناطق الحاجة الفعلية، كما استفادت من مقرات وتجهيزات وخدمات توفرها الهيئات المحلية. أي أن توسيع نطاق الخدمة لم يكن بالضرورة مرادفاً لزيادة الإنفاق، بل ارتبط بإعادة ترتيب الموارد واستخدامها بصورة أكثر كفاءة.

وهذا يقودنا إلى مفهوم مهم في الإدارة العامة الفلسطينية: ليس المطلوب دائماً إنشاء مؤسسات جديدة، وإنما أحياناً إعادة توظيف ما نملك بطريقة أفضل.

إن الشراكة بين وزارة الزراعة والبلديات والمجالس والهيئات المحلية تقدم في هذا المجال نموذجاً يستحق التطوير. فالهيئات المحلية تساهم في توفير مقرات وتجهيزات وخدمات تشغيلية، بينما توفر الوزارة الخبرات والكادر والخدمة التخصصية. وهكذا تتحول الموارد المحلية القائمة إلى جزء من منظومة وطنية لتقديم الخدمات والتنمية.

والأهم من ذلك أن وجود الوزارة في المناطق الزراعية يعزز الحضور المؤسسي للدولة في الريف والمناطق النائية، ويربط المزارع بصورة مباشرة بمؤسساتها. فالوزارة لا تقدم خدمة زراعية فقط، وإنما تساهم من خلال هذا الانتشار في دعم الأمن الغذائي، وحماية الأراضي الزراعية، وتنمية المناطق الريفية، ودعم صمود المزارعين، والاستجابة للطوارئ.

لذلك، فإن توطين الخدمات الزراعية يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مشروعاً إدارياً محدوداً، بل باعتباره سياسة تنموية متكاملة يمكن البناء عليها وتطويرها. فحين تكون الخدمة قريبة من المزارع، تصبح المعلومات أقرب إلى صانع القرار، وتصبح المشكلات قابلة للرصد المبكر، وتصبح الموارد المحلية أكثر قابلية للاستثمار، وتصبح التنمية أكثر ارتباطاً بالواقع.

إن الصمود لا يُبنى بالشعارات وحدها؛ بل يُبنى بخدمات تصل إلى الناس، ومؤسسات موجودة في الميدان، وفرص إنتاج حقيقية، واستثمار رشيد في الأرض والإنسان والموارد.

ومن هنا، فإن دعم المزارع الفلسطيني لا يعني فقط أن نقدم له المساعدة عندما يواجه مشكلة، بل أن نبني حوله منظومة محلية متكاملة تمكنه من الإنتاج والاستمرار والتطور.

ولعل الرسالة الأهم في تجربة وزارة الزراعة هي أن التنمية تبدأ عندما نذهب إلى حيث توجد الأرض، وحيث يوجد الإنسان، وحيث توجد الحاجة.

فحين تذهب الدولة إلى المزارع، لا تكون قد قرّبت الخدمة فحسب؛ بل تكون قد قرّبت التنمية، وعززت الصمود، واستثمرت في مواردها المحلية، ورسخت حضورها في الأرض التي تحتاج إلى كل جهد ممكن لحمايتها وتنميتها.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...