الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:13 AM
الظهر 12:28 PM
العصر 3:51 PM
المغرب 6:27 PM
العشاء 7:42 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

احترموا الطعام

الكاتب: صلاح هنية

قبل سنوات طويلة من إطلاق المبادرات العالمية الداعية للحد من فقد وهدر الطعام، كانت الأسرة الفلسطينية تطبق هذا المفهوم كجزء أصيل من ثقافتها اليومية، فقد اتسمت بالوعي العالي في احترام القيمة الغذائية، وأحسنت طرق التخزين والتدوير وإعادة استخدام الفائض في طهي أطباق جديدة ومبتكرة.
لم تكن الأسر تتسوق آنذاك بما يفوق حاجتها الفعلية، ورغم بدائية وسائل التخزين المتاحة في ذلك الوقت، إلا أن الحاجة كانت أم الاختراع، فابتكر الناس أنماطاً تخزينية فعالة تفي بالغرض وتصون النعمة من التلف.
اليوم، يقف العالم ليحيي اليوم العالمي للحد من هدر الطعام ويطرح الحلول والمبادرات لمواجهة هذه الأزمة المتفاقمة، إلا أن الأرقام لا تزال تعكس فجوة عميقة، إذ تفيد إحصائيات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) بأنه «في أنحاء العالم، تُفقَد يوميًا أطنان من الأغذية الصالحة للأكل أو تُهدَر. ففي المرحلة الممتدة بين الحصاد وتجارة التجزئة وحدها يُفقد نحو 14 في المائة من مجمل الأغذية المنتجة عالميًا. كما تهدر كميات ضخمة من الغذاء على مستوى تجارة التجزئة أو الاستهلاك». تضعنا هذه المعطيات أمام ضرورة ملحة لاعتماد قاعدة سلوكية واضحة تقوم على شراء ما نحتاجه فقط، والتخلي عن ثقافة التكديس والتسوق العشوائي.
إن تفعيل هذا التغيير عملياً يتطلب خطوات مدروسة تبدأ من إعداد قائمة تسوق محددة تلبي الاحتياجات الأساسية للأسرة، ويرافقها وعي استهلاكي يحرص على قراءة بطاقة البيان لضمان جودة المنتجات، مع ترتيبها داخل المنزل حسب تاريخ الإنتاج من الأقدم فالأحدث. وفي هذا السياق، يجب ألا يجد أي فائض من الطعام طريقه إلى النفايات؛ ففائض الأرز أو الخضار يمكن أن يتحول بلمسة تدبير ذكية إلى طبق جديد وشهي. فالأصل في الفطرة الإنسانية هو احترام الطعام، غير أن الأنماط الاستهلاكية الحديثة هي التي شوهت هذا السلوك؛ ففي الماضي، كانت كسرة الخبز تعني الكثير، وكان لكل ما يتبقى في الطبق قصة تروي كيفية الاستفادة منه، فالغذاء يمثل رابطاً إنسانياً وثيقاً يعبر عن ثقافات الشعوب وتراثها، ولعل تبادل الطعام وتشاركه هو أحد أرقى أشكال هذا الاحترام، الذي يمتد ليشمل تقديراً حقيقياً لمنتجي الغذاء وجهدهم.
ومن هذا المنطلق، يصبح دعم المزارعين والمنتجين المحليين ضرورة استراتيجية؛ إذ يساهم في تقصير سلسلة التوريدات وتقليل مسافات النقل، ما يحد تلقائياً من مخاطر التلف والتلوث. فالإنتاج المحلي لا يوفر غذاءً صحياً وسليماً فحسب، بل يضمن أيضاً توفير منتجات تلبي رغبات المستهلك لكونها نابعة من ثقافته الغذائية وبيئته المحلية.
تكتسب هذه العودة إلى الجذور أهمية مضاعفة، اليوم، في ظل تراجع القدرة الشرائية للأسر وعدم قدرتها على تلبية كافة المتطلبات، حيث لم تعد ميزانيات البيوت مرنة بما يكفي لتغطية الأيام والشهر كاملاً. ومع تراجع مستويات الرفاهية المادية واضطرار الأسر لتقليص الهوامش التي كانت تصنع الفرح، بات من المحتم إحياء ظاهرة احترام الطعام لحمايته من الفقد والهدر، والعمل ضمن نظم غذائية مستدامة ترفض مصطلح «الطعام القديم» وتربطه بالتالف، فما دام الغذاء محفوظاً بشكل سليم فهو صالح للاستخدام، وليس من المقبول منطقياً أو أخلاقياً أن ينتهي به المطاف في سلال النفايات.
تتويجاً لهذه الجهود، وتطبيقاً لها على أرض الواقع، تأتي فعاليات «أسبوع العمل الأخضر» التي تطلقها جمعية حماية المستهلك الفلسطيني وسلطة جودة البيئة، بالشراكة مع شركة المشروبات الوطنية وشركة الطيف للمنتجات الغذائية. حيث سيوضع هذا الملف في صلب الأنشطة النظرية والتفاعلية للفعاليات، كجزء من استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة هدر وفقد الطعام وتعزيز الاستهلاك المستدام والأخلاقي. وتسعى هذه المبادرة إلى إيصال رسالتها المباشرة إلى قطاعات الشباب، والمرأة، وربات البيوت، لتوجيه السلوك المجتمعي بأكمله نحو الاستدامة؛ فمهما كانت الظروف المحيطة بنا معقدة، يبقى الإيمان راسخاً بأن فرقاً صغيراً في سلوكنا اليومي كفيل بأن يصنع إنجازاً كبيراً لبلدنا ومستقبلنا.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...