الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:15 AM
الظهر 12:28 PM
العصر 3:49 PM
المغرب 6:25 PM
العشاء 7:39 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الضفة الغربية بين الرغبة في التغيير وانسداد الأفق: قراءة سياسية في استطلاعي بيو ومعهد الأمن القومي الإسرائيلي

الكاتب: أحمد عيسى

تساعد أدوات قياس الرأي في المجتمعات على معرفة ما يفكر فيه الناس في المجتمع، والوقوف على مدى تأييدهم أو رفضهم لقضية أو سياسة أو قيادة محددة، وهي تقيس كذلك الثقة والأولويات والتوقعات والاستعدادات للمشاركة. وتختلف أداة القياس المناسبة بحسب ما يراد معرفته، مثل: كم شخصًا يتبنى موقفًا معينًا؟ ولماذا يتبنون هذا الموقف؟

وتتعدد أدوات القياس ما بين: استطلاعات الرأي، والمقابلات المعمقة، ومجموعات النقاش المركزة، والاستطلاعات المتكررة، وتحليل وسائل التواصل الاجتماعي، وتحليل مضمون الإعلام، ودراسة النكتة والمثل الشعبي الرائجين في فترة زمنية محددة، وغيرها من الأدوات.

وتفيد نتائج قياس اتجاهات الرأي في المجتمعات الجهات الحاكمة في الدول، خاصة إسرائيل، كدولة احتلال استعماري، في إعداد وتطوير استراتيجيات للتعامل مع مآلات اتجاهات الرأي داخل المجتمع الفلسطيني وتطوراته في أوقات مبكرة.

ويساعد نشر نتائج استطلاع الرأي في نقل مواقف عينة من الناس إلى المجال العام، أي عدم الاكتفاء بوصف الرأي العام، بل المساهمة في التأثير فيه، الأمر الذي يبدو أنه مقصد استطلاعي بيو (Pew) وINSS

ومن المهم هنا التوضيح أن قراءة تجارب القوى الاستعمارية في إدامة سيطرتها على الشعوب المستعمرة، لا سيما بريطانيا الاستعمارية، تُظهر أنها كانت تفضل سيناريو شراء الاتجاه (Buying the trend) لضمان السيطرة عليه وتحويل مآله النهائي إلى ما يخدم مصالحها، بعد معرفة مسار اتجاه الرأي في المجتمع،  ولم تكن تفضل سيناريو مواجهته منذ البداية، أو سيناريو تركه يتطور ومن ثم مواجهته في مرحلة معينة.

وتكشف عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر عام 2023 أن دولة الاحتلال الإسرائيلي، التي ورثت عن بريطانيا تجربتها في فلسطين، قد فشلت فشلًا ذريعًا في توظيف السيناريوهات الثلاثة في مواجهة الاتجاه العام الذي كان ينمو ويتطور في غزة منذ سنوات سبقت الطوفان؛ إذ فشلت في شرائه حتى بالمال، كما فشلت في مواجهته في مراحل تطوره من خلال الحروب المتكررة التي شنتها على غزة، والأهم أنها لا تزال تمارس الفشل في احتواء تداعياته وآثاره، وذلك وفقًا للتقارير الصادرة عن مؤسسات التفكير الاستراتيجي الإسرائيلية.

وجاء تزامن نشر نتائج استطلاعات الرأي لكل من معهد الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) ومعهد Pew الأمريكي في لحظة ما بعد ثبوت الفشل الإسرائيلي في توظيف سيناريوهات التعامل مع اتجاهات الرأي العام في غزة والضفة الغربية، الأمر الذي يوضح أنه يأتي كمحاولة لحرف اتجاهات الرأي العام، بحيث تصبح الإبادة والمحو هما المؤسسان للرأي العام ومسارات تطوره بدل الطوفان ومعانيه ودلالاته ومسارات تطوره. الأمر الذي يضع المجتمع الفلسطيني أمام تساؤل: هل عزز الطوفان من إيمانهم بمشروعهم الوطني؟ أم دفعتهم الإبادة والمحو إلى التفكير ببدائل عنه؟ ثم هل تسمح نتائج الاستطلاعين بالاستنتاج أن هناك ما يدل على وجود فئة من المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية ينمو فيها اتجاه ضعف الإيمان بالمشروع الوطني؟

في الواقع، لا تسمح قراءة نتائج استطلاعي مركز بيو الأمريكي ومعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بإعلان نهاية المشروع الوطني الفلسطيني، أو اعتبار الفلسطينيين مستعدين للتخلي عن حقوقهم مقابل تحسين معيشتهم. لكنها تفتح سؤالًا أكثر إلحاحًا: ماذا يحدث حين يبحث المجتمع عن طريق أقل كلفة لتحقيق أهدافه، فيما تتراجع ثقته بإمكان الوصول إليها وبقدرة قياداته على تمثيله؟

نُشرت نتائج بيو في 15 سبتمبر 2026، وشملت 1038 فلسطينيًا في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وأُجريت مقابلاتهم بين 30 مارس و28 أبريل. أما استطلاع المعهد الإسرائيلي، المنشور في 17 سبتمبر، فشمل 400 بالغ في الضفة عبر الهاتف، بين 27 يونيو و2 يوليو. ولذلك، فإن تقارب النشر لا يعني تزامن القياس، كما أن اختلاف الأسئلة والعينات يمنع التعامل مع النتائج باعتبارها قياسًا واحدًا، إلا أنه من المؤكد أنهما يستكملان بعضهما بعضًا.

تكمن الدلالة الأبرز في الجمع بين نتيجتين تبدوان متعارضتين: أظهر استطلاع المعهد أن 52٪ يفضلون التفاوض وسيلة لإنهاء الصراع، مقابل 12٪ يختارون المقاومة المسلحة؛ بينما وجد بيو أن 21٪ فقط يرون إمكان التعايش السلمي بين إسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة، مقابل 68٪ لا يرون ذلك ممكنًا.

لكن التعارض هنا يبدو ظاهريًا؛ فتفضيل وسيلة سياسية لا يعني الاقتناع بأن شروط نجاحها متاحة. يستطيع الفلسطيني أن يفضل التفاوض، وأن يعتقد، في الوقت نفسه، أن الاستيطان وغياب الثقة والسياسات الإسرائيلية تمنع قيام دولة مستقلة. هنا ينبغي التمييز بين ما يريده الإنسان وما يعتقد أنه ممكن. كما لا يمكن استنتاج أن الأشخاص أنفسهم جمعوا الموقفين، لأننا أمام عينتين مختلفتين.

وتزداد الصورة تعقيدًا عندما نجد أن حل الدولتين حصل في استطلاع المعهد على 27٪ بين بدائل التسوية المطروحة، ولم يحظَ أي بديل بأغلبية. وهذا يعني أن تفضيل التفاوض لا يشكل تفويضًا جاهزًا لصيغة تسوية محددة؛ فقد توجد رغبة في تغيير الوسيلة من دون اتفاق على شكل النهاية السياسية.

أما الحياة اليومية، فتقدم مفتاحًا لفهم هذه المواقف. في استطلاع بيو، اعتبر 92٪ الحواجز الإسرائيلية مشكلة كبيرة لهم ولأسرهم، واعتبر 85٪ فرص العمل مشكلة كبيرة، فيما وصف 90٪ الوضع الاقتصادي بأنه سيئ. هذه المؤشرات تضع حرية الحركة والعمل في صلب التجربة السياسية الفلسطينية.

ولا يصح تحويل الاهتمام بالخبز والأمن الشخصي إلى دليل على التخلي عن الاستقلال. فحرية الوصول إلى العمل والمدرسة والمستشفى جزء من معنى الحرية نفسه. والاستنتاج السياسي هنا أن أي مشروع وطني يفقد صدقيته إذا عجز عن وصل أهدافه الكبرى بحماية الناس وتحسين قدرتهم على البقاء، بينما يظل تحسين المعيشة هشًا إذا بقي خاضعًا لقرارات قوة تسيطر على الحركة والموارد.

وفي مسألة القيادة، تشير النتائج الانتخابية المنشورة لاستطلاع المعهد إلى أن 44٪ لا ينوون التصويت، بينما اختار 30٪ فتح و4٪ حماس من مجموع المستجيبين. ويجب التمييز بين هذه النسب وبين حصص الأصوات المتوقعة بين المشاركين فعليًا.

سياسيًا، يثير الامتناع المرتفع عن المشاركة سؤال التمثيل، لكنه لا يكشف وحده أسباب الامتناع؛ فقد يعكس احتجاجًا على القيادات، أو انعدام الثقة بالانتخابات، أو غياب البدائل. لذلك لا يكفي ضعف حماس لمنح السلطة شرعية متجددة، ولا يكفي تراجع الثقة بالسلطة لإثبات وجود بديل جاهز. الشرعية تحتاج إلى مشاركة ومحاسبة وقدرة على الإنجاز، لا إلى التفوق على خصم ضعيف فحسب.

وتبقى غزة الحد الأوضح للاستنتاج. يصرح بيو بأنه تعذر إجراء المسح فيها لأسباب أمنية، فيما يحدد المعهد نطاق دراسته بالضفة الغربية. وبناءً عليه، لا يمثل الاستطلاعان الرأي العام الفلسطيني كله، ولا يقيسان موافقة سكان غزة على مستقبل يُرسم لهم.

كما لا يثبت غياب غزة وجود خطة مشتركة لفصلها، ولا يثبت تقارب موعد النشر تنسيقًا بين المؤسستين، ولا يمكن، في الوقت نفسه، نفي وجود التنسيق، رغم أن إثبات ذلك يحتاج إلى أدلة مستقلة. لكن الخطر السياسي قائم إذا استُخدمت نتائج تخص الضفة لصياغة ترتيبات فلسطينية عامة، أو جرى التعامل مع غزة بوصفها ملف إغاثة وإدارة، والضفة بوصفها ملف حكم وأمن. عندها يصبح الخلل في استخدام المعرفة، لا بالضرورة في جمعها.

من هذه الزاوية، لا تتنبأ الاستطلاعات بمستقبل محتوم للضفة، بل تساعد على تصور مسارات مشروطة. فقد تتجه الرغبة في التغيير نحو تجديد التمثيل وبناء مسار سياسي ذي صدقية؛ وقد تُختزل في إدارة معيشية بلا سيادة؛ وقد يتحول الإحباط إلى عزوف أعمق أو احتجاج إذا ظلت البدائل مغلقة. ولا توفر النتائج أساسًا لترجيح حاسم لأحد هذه المسارات.

الرسالة الفلسطينية الأهم هي أن مراجعة الوسائل ينبغي أن تقترن بتجديد المؤسسات ووحدة التمثيل بين غزة والضفة والقدس. والرسالة لصانع القرار الإسرائيلي أن تفضيل التفاوض لا يساوي قبول السيطرة الدائمة. أما الرسالة الدولية فهي أن الدعوة إلى السلم تحتاج إلى فرصة سياسية ملموسة.

تكشف الاستطلاعات فجوة بين البحث عن طريق ممكن وغياب الثقة بالوصول إلى الحرية، لأسباب موضوعية تتعلق بإرهاب المستوطنين وحماية الجيش لهم، وأخرى ذاتية تتعلق بتآكل الثقة بالقيادة. ومهمة السياسة الفلسطينية هنا هي تحويل هذه الفجوة إلى برنامج وتمثيل وقدرة على الفعل، قبل أن تتطور هذه الفجوة إلى انفجار يجرف ما أمامه.

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...