الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:16 AM
الظهر 12:27 PM
العصر 3:46 PM
المغرب 6:21 PM
العشاء 7:36 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

مَشَانِقُ بِنْ غَفِيرَ لَنْ تَحْمِيَ الْكِيَانَ مِنَ الانْهِيَارِ الْحَتْمِيِّ

الكاتب: د. محمد عودة

ليس بن غفير هو الذي اخترع القتل، ولا هو الذي اكتشف التهجير، ولا هو الذي وضع الاستيطان على أرض فلسطين. هذه سياسات ارتبطت بحركة عمرها أكثر من قرن، وهي التي أسست إسرائيل، واستندت إلى فكرة استعمارية غُطّيت بنصوص توراتية تتناقض مع مبادئ الدين والشرائع. ففي سفر التثنية، الإصحاح السابع، يرد الحديث عن الشعوب السبعة: الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفِرِزّيين والحِوّيين واليبوسيين، ثم يأتي الإصحاح العشرون بنص أكثر صراحة في الدعوة إلى عدم إبقاء نسمة من شعوب تلك الأرض.

ومارست الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة هذه السياسات بدرجات مختلفة، أحيانًا بصمت وتحت ذرائع كثيرة، بعضها عسكري وبعضها أمني وبعضها سياسي، لكن بن غفير يأتي ليزيل الأقنعة، وليقول بصوت مرتفع ما كان آخرون يفعلونه بصوت منخفض، وليحوّل ما كان يُمارس تحت عناوين الضرورة والأمن والردع إلى مشروع سياسي معلن، وقوانين ومؤسسات وأدوات تنفيذ دائمة.

وهنا تكمن خطورة الرجل، فبن غفير ليس بداية الطريق، وإنما يريد الوصول بهذا الطريق إلى نهايته، والسؤال ليس فقط ماذا سيفعل إذا أصبح وزيرًا للدفاع، وإنما ماذا يعني أن يصل رجل يرفع المشنقة شعارًا، ويتحدث عن إخراج الفلسطينيين من أرضهم، ويعلن أن الضفة الغربية جزء من أرض إسرائيل، إلى موقع يملك فيه أدوات الجيش والاحتلال والحصار والاعتقال؟

في آب 2026، تحدث بن غفير عن رغبته في أن يُقتل في غزة بضع عشرات من الأشخاص كل ليلة، واصفًا الفلسطينيين بأنهم لا يستحقون الحياة، بل ذهب إلى وصفهم بأنهم ليسوا بشرًا، فعندما تصدر هذه اللغة عن وزير وعضو في المجلس الوزاري الأمني، فإنها تتجاوز التعبير عن الرغبة في القتل إلى نزع إنسانية الضحية، بحيث يصبح قتلها أقل حاجة إلى التبرير وأكثر قابلية للتحول إلى سياسة

ولهذا فإن المشنقة ليست تفصيلًا هامشيًا. ففي آذار 2026 أقر الكنيست قانون عقوبة الإعدام ضد الأسرى الفلسطينيين بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48، ودخل القانون حيز التنفيذ في نيسان، ثم جرى في أيار تعديل الأمر العسكري بما سمح بتطبيقه في المحاكم العسكرية في الضفة الغربية، مع تمييز في نطاق تطبيقه بين الفلسطينيين الخاضعين للمحاكم العسكرية وبين الإسرائيليين، وعدم تطبيق المسار العسكري نفسه على المواطنين والمقيمين الإسرائيليين، ولا على أفراد الجيش المدانين بالقتل العمد.

ثم أعلن بن غفير في آب الماضي عن نيته إنشاء منشأة لتنفيذ أحكام الإعدام شنقًا، مع أماكن مخصصة لعائلات الضحايا لمشاهدة التنفيذ، متحدثًا عن رغبته في إعدام أسرى فلسطينيين، وهكذا تنتقل المشنقة من شعار سياسي إلى قانون، ومن القانون إلى منشأة وآلية تنفيذ، لتصبح رمزًا سياسيًا ومؤسسيًا.

لكن المشنقة ليست سوى أحد أوجه المشروع؛ الوجه الآخر هو التهجير، فبن غفير يتحدث عن الهجرة الطوعية، إلا أن تسمية الترحيل طوعيًا لا تجعله كذلك، إذا كانت الظروف المحيطة بالإنسان تجعل البقاء في أرضه أكثر قسوة من الرحيل عنها، فهذا تهجير قسري، فالاختيار تحت القصف والحصار والتدمير وفقدان المسكن وانعدام الأمن والضغط الاقتصادي والسياسي ليس هو الاختيار الحر الذي توحي به كلمة طوعي.

وفي أيلول 2026 ظهر مشروع الانفصال 710، الذي يتحدث عن إخراج 250 ألف فلسطيني من غزة خلال السنة الأولى، ثم 1.11 مليون خلال ثلاث سنوات، وصولًا إلى مليون وثمانمائة وستين ألفًا خلال سبع سنوات، مع إنشاء جسم حكومي معني بالهجرة وتقديم حوافز ودعم للدول التي تستقبل المغادرين، تأملوا الرقم الأخير: مليون وثمانمائة وستون ألف إنسان، لم يعد الحديث عن هجرة فردية، بل عن أرقام ضخمة، وخطة زمنية، ومؤسسة حكومية، وحوافز، ودول يُراد أن تستقبل هؤلاء الناس، وهنا يصبح السؤال: هل نحن أمام هجرة، أم أمام تهجير يُعاد تقديمه بلغة أكثر نعومة؟

وهنا يلتقي القتل بالتهجير والاستيطان. فالقتل يفرغ الأرض من بعض أهلها، والتهجير يفرغها من آخرين، والاستيطان يستولي على الأرض سواء بقي أهلها فيها أم أُخرجوا منها، والخطر يتعاظم عندما تجتمع هذه الأدوات داخل مشروع واحد، فيصبح قتل الإنسان أو تهجيره وسيلة لتقليص وجوده على الأرض، ويفتح ذلك المجال أمام توسيع السيطرة عليها وفرض واقع جديد فيها

في الثالث من تشرين الأول 2026، قال بن غفير إنه لا يرى فرقًا بين مناطق أ، ب وج في الضفة الغربية، وإن الأرض كلها أرض إسرائيل، مستخدمًا تعبير بلادنا. كما تحدث عن تفكيك السلطة الفلسطينية، وعن دفع الفلسطينيين في الضفة وغزة إلى مغادرة أرضهم إذا وصل إلى وزارة الدفاع.

وهنا تظهر أهمية الموقع الذي يسعى إليه، فوزارة الدفاع الإسرائيلية ترتبط بالجيش، ومنظومة الاحتلال، والاعتقالات، والعمليات العسكرية، وقواعد الاشتباك، وجزء أساسي من إدارة الضفة الغربية، وفي أيلول 2026 عرض بن غفير برنامجًا للوصول إليها، تضمن نزع سلاح أجهزة الأمن الفلسطينية، واعتقال قيادات فلسطينية، وتغيير قواعد الاشتباك، وتقديم دعم أوسع للجنود، وتشجيع ما يسميه الهجرة الطوعية.

وهذه الأدوات ليست أدوات بن غفير الشخصية، بل أدوات دولة موجودة أصلًا، استخدمتها حكومات إسرائيلية متعاقبة، والاستيطان نفسه لم يبدأ معه؛ فالمستوطنات في الضفة الغربية سبقت وصوله، وتجاوز عدد المستوطنين نصف مليون، بينما استمرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في توسيع المشروع الاستيطاني بطرق مختلفة، لكن بن غفير يريد أن يجمع هذه الأدوات في مشروع أكثر وضوحًا، وأن يدفع المنظومة القائمة إلى أقصى حوافها الأيديولوجية، وأن يقول بوضوح إن الأرض كلها ملك لإسرائيل، وإن وجود الفلسطينيين فيها هو المشكلة التي ينبغي حلها.

فالسؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى يمكن أن يمضي هذا النظام نفسه في المسار الذي يسير فيه، عندما يأتي سياسيون مثل بن غفير ليجردوا هذا المسار من أقنعته، ويدفعوا ممارساته إلى أقصى حدودها، ويحوّلوا ما كان قائمًا بالفعل إلى مشروع أكثر صراحة ووضوحًا؟

فالتهجير من غزة لا يبقى شأنًا فلسطينيًا فقط. إذا خرج مئات الآلاف أو أكثر من القطاع، فإن السؤال سيصل مباشرة إلى مصر، وإذا امتد المشروع إلى الضفة الغربية، فإن الأردن سيكون أمام واقع مختلف تمامًا، وعندما تتغير الخريطة السكانية والجغرافية لفلسطين بالقوة، فإن القضية لا تعود قضية احتلال فقط، بل يمكن أن تتحول إلى قضية حدود وأمن وسيادة ووجود بالنسبة إلى دول المنطقة.

ولعل ما يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحًا أن التفكير في مستقبل الأمن الإسرائيلي لا يتوقف عند حدود فلسطين. ففي تشرين الأول 2026 ظهرت وثيقة حملت عنوان الرؤية الجديدة لأمن إسرائيل، وتناولت، ضمن رؤيتها المستقبلية، سيناريوهات تتجاوز الساحة الفلسطينية، بما في ذلك احتمال تغير طبيعة العلاقة مع الأردن ومصر، والاستعداد لعودة البلدين إلى موقع العداء، إلى جانب إعادة صياغة منظومة الأمن الإسرائيلية على أساس الاستعداد لحروب متعددة الجبهات وتعزيز القدرة على التحرك العسكري خارج الحدود، والوثيقة، وإن لم تكن قرارًا حكوميًا إسرائيليًا، تكشف أن التفكير في مستقبل الأمن الإسرائيلي لدى بعض دوائر اليمين لا ينحصر في إدارة الصراع مع الفلسطينيين، بل يمتد إلى إعادة تصور البيئة الإقليمية المحيطة بإسرائيل نفسها.

فالقتل يغير عدد السكان، والتهجير يغير مكان السكان، والاستيطان يغير السيطرة على الأرض، وعندما تجتمع هذه العناصر، فإنها يمكن أن تنتج واقعًا جغرافيًا وسياسيًا جديدًا في المنطقة، ومن هنا فإن ما يجري لا يتعلق بمصير الفلسطينيين وحدهم، بل يمكن أن يمتد أثره إلى شكل المنطقة وحدودها وتوازناتها.

فماذا يحدث عندما يصبح القتل قانونًا، والتهجير مشروعًا استراتيجيًا، والاستيطان أداةً لتثبيت السيطرة على الأرض، وتصبح المشنقة رمزًا سياسيًا؟ هنا لا تعود هذه الأدوات منفصلة؛ فالمشنقة تهدد الحياة، والتهجير يهدد البقاء في الأرض، والاستيطان يفرض السيطرة عليها، وعندما تتحول الأفكار إلى قوانين، والقوانين إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى سياسات دائمة، تصبح القضية أكبر من رجل واحد وحكومة واحدة.

إن بن غفير ليس بديلًا عن إسرائيل، ولا خروجًا على سياساتها، وإنما هو أحد أكثر التعبيرات صراحةً عن مسار قائم داخلها، يريد أن يدفعه إلى أقصى مداه. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس ماذا سيفعل بن غفير وحده، بل إلى أين يمكن أن يصل هذا المسار عندما تتجمع لدى الدولة القوانين والجيش والأجهزة والقدرة على تنفيذ ما يُعلن من سياسات، وعندما يصبح القتل والتهجير والاستيطان أجزاءً من مشروع واحد لا يحتاج إلى كثير من الأقنعة.

وفي النهاية، لا تكمن خطورة بن غفير في أنه جاء بمفردات جديدة إلى المشهد، بل في أنه يدفع مفردات قائمة إلى أقصى مداها: قتلٌ يُقنَّن، وتهجيرٌ يُخطَّط له، واستيطانٌ يُرسَّخ، ومشنقةٌ تتحول من شعار إلى مؤسسة، وعندما تجتمع هذه الأدوات في يد الدولة، فإن السؤال لم يعد عن مستقبل بن غفير السياسي، بل عن مستقبل المنطقة نفسها، وهنا نقول لبن غفير: لا تحلم كثيرًا، فأنت وكيانك ومشانقك إلى الجحيم، وفلسطين إلى الحرية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...