الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:18 AM
الظهر 12:26 PM
العصر 3:44 PM
المغرب 6:17 PM
العشاء 7:32 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

هل تشيخ الفصائل والأحزاب؟

الكاتب: د. عمر السلخي 

حين تتحول التنظيمات من أدوات للتغيير إلى مؤسسات لإعادة إنتاج نفسها
تشير أدبيات العلوم السياسية والتنظيمية إلى أن التنظيمات لا تفقد حيويتها بسبب مرور الزمن وحده، بل عندما تعجز عن تجديد أفكارها، وتطوير أدواتها، وإعادة بناء قياداتها بما يتناسب مع التحولات المحيطة بها. عندها تبدأ مرحلة يمكن وصفها بالشيخوخة التنظيمية؛ حيث تتقدم المحافظة على البنية القائمة على حساب التجديد، ويصبح الحفاظ على المواقع أولوية تتقدم على تحقيق الأهداف.
وهذا السؤال يستحق أن يُطرح بجدية في المشهد الفلسطيني: هل تشيخ الفصائل والأحزاب؟ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في عجز بعضها عن تجديد نفسها، ومراجعة تجربتها، والاستجابة لمتطلبات مرحلة تختلف جذريًا عن المراحل التي نشأت فيها؟
من ذاكرة النضال إلى  التجربة

لا يمكن إنكار الدور التاريخي الذي أدته الفصائل الفلسطينية في تشكيل الهوية الوطنية، وقيادة النضال، وتعزيز الانتماء، وبناء مؤسسات العمل الوطني. لكن التاريخ النضالي، مهما بلغت قيمته، لا يمكن أن يتحول إلى إعفاء دائم من المراجعة والتطوير.
فالتجارب التي صنعت مجد التنظيم في مرحلة معينة ليست بالضرورة كافية لقيادته في مرحلة أخرى. وما كان مناسبًا لزمن الثورة والعمل السري قد لا يكون كافيًا لزمن التحولات الرقمية، والأزمات الاقتصادية، وتعقيدات الحكم، وتغير أولويات الأجيال الجديدة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الإرث النضالي من مصدر للقوة إلى وسيلة لإغلاق أبواب النقد، وعندما تصبح شرعية الماضي بديلًا عن الإنجاز في الحاضر، وتُقاس مكانة الأفراد بتاريخهم التنظيمي وحده، لا بما يقدمونه من أفكار وحلول ونتائج.
حين يصبح التنظيم غاية بدلًا من أن يكون وسيلة
من أبرز مظاهر الشيخوخة التنظيمية أن تنشغل المؤسسات بالحفاظ على بنيتها الداخلية أكثر من انشغالها بتحقيق رسالتها.
تتكرر الوجوه، وتدور المواقع بين الأسماء نفسها، وتُستهلك الاجتماعات في إدارة الخلافات الداخلية، بينما تتراجع القدرة على إنتاج المبادرات والسياسات الجديدة.
وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال المركزي: ماذا نريد أن نحقق لشعبنا؟ بل يصبح: كيف نحافظ على مواقعنا داخل التنظيم؟
وهنا تكمن المعضلة؛ فالتنظيم الوطني وُجد ليكون أداة لخدمة المجتمع وتحقيق أهدافه، لا إطارًا مغلقًا يعيد إنتاج قياداته وآلياته، بصرف النظر عن قدرته على الاستجابة للواقع.

الشباب ليسوا ديكورًا تنظيميًا
لا يكفي أن تتحدث الفصائل عن الشباب في بياناتها، أو أن تمنحهم مواقع شكلية في هيئاتها، بينما تبقى صناعة القرار محصورة في دوائر ضيقة.
التجديد الحقيقي يبدأ عندما يصبح الشباب شركاء في صياغة السياسات، وصناعة القرار، وإدارة المؤسسات، وتقييم الأداء، وتحمل المسؤولية الفعلية عن النتائج.
كما أن تمكين الشباب لا يعني استبدال جيل بآخر لمجرد العمر؛ فالمعيار ليس السن وحده، بل القدرة على التفكير والإبداع، والاستعداد للتعلم، والكفاءة في الإدارة، والقدرة على العمل الجماعي.
المطلوب هو الانتقال من منطق الأقدمية وحدها إلى منطق يجمع بين الخبرة المتراكمة والكفاءة المتجددة، وبين احترام التاريخ وفتح المجال أمام المستقبل.

هل انتهى زمن الفصائل؟

ليس بالضرورة ، فالأحزاب والفصائل ما زالت قادرة، من حيث المبدأ، على أداء أدوار مهمة في تنظيم المجتمع، وتأطير المشاركة السياسية، وصياغة البرامج الوطنية، وتطوير القيادات.
لكن استمرار هذه الأدوار يرتبط بقدرتها على التحول من أطر تقليدية مغلقة إلى مؤسسات أكثر انفتاحًا ومرونة، تستمع إلى المجتمع، وتستوعب التحولات، وتخضع للمساءلة، وتتيح تداول المسؤوليات وتجديد القيادات.
وفي المقابل، لا يكفي نقد الأحزاب أو الدعوة إلى تجاوزها دون تقديم بدائل واضحة. فالمجتمعات تحتاج إلى أشكال منظمة للعمل الوطني، لا إلى مبادرات موسمية متفرقة أو تجمعات تفتقر إلى البرامج والاستمرارية والمساءلة.
لذلك، قد يكون المطلوب هو التفكير في أدوات جديدة للتأطير الوطني، تتكامل مع الأطر القائمة أو تطور أشكالًا بديلة للعمل العام، على أن تقوم على الكفاءة، والابتكار السياسي، والمشاركة، والشفافية، والقدرة على تحويل الأفكار إلى نتائج ملموسة.
التجديد ضرورة سياسية
في الحالة الفلسطينية، تتضاعف أهمية هذا السؤال في ظل تعقيدات الواقع السياسي والاقتصادي، وتحديات الاحتلال، واتساع الفجوة بين تطلعات قطاعات من المجتمع وآليات العمل السياسي التقليدية.
ولا يمكن مواجهة هذه التحديات بمجرد استدعاء شعارات الماضي، أو تكرار الخطاب ذاته، أو الاكتفاء بتفسير الإخفاقات بالعوامل الخارجية، مهما كان تأثيرها الحقيقي.
التجديد يتطلب مراجعة التجارب، وتقييم الأداء، وتطوير البرامج، وإعادة بناء العلاقة مع المجتمع، وفتح المجال أمام الكفاءات، وإيجاد آليات ديمقراطية وشفافة لاختيار القيادات ومحاسبتها.
كما يتطلب الاعتراف بأن الوطنية ليست حكرًا على إطار سياسي بعينه، وأن خدمة المشروع الوطني يمكن أن تتخذ أشكالًا متعددة، وأن قيمة أي تنظيم تُقاس بقدرته على الإسهام في تحقيق الأهداف الوطنية والاستجابة لاحتياجات الناس.
هل تشيخ الفصائل؟
نعم، يمكن أن تشيخ التنظيمات سياسيًا وفكريًا، لا لأن سنوات عمرها طالت، بل لأن قدرتها على التعلم والتجدد قد تتراجع، ولأنها قد تفقد صلتها بالتحولات الاجتماعية والسياسية المحيطة بها.
لكن الشيخوخة التنظيمية ليست قدرًا محتومًا؛ إذ تستطيع المؤسسات استعادة حيويتها حين تراجع أفكارها، وتجدد قياداتها، وتفتح أبوابها للنقد، وتمنح الأجيال الجديدة دورًا حقيقيًا في صناعة المستقبل.
فالتنظيم الذي لا يجدد نفسه قد يتحول إلى شاهد على تاريخه بدلًا من أن يكون شريكًا في صناعة المستقبل.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس فقط: كم عمر الفصائل الفلسطينية؟ بل: ما الذي تستطيع تقديمه للمرحلة المقبلة؟ وما الذي تغير في برامجها وقياداتها وأدواتها حتى تظل قادرة على تمثيل تطلعات المجتمع؟
فالأوطان لا تعيش على أمجاد مؤسساتها وحدها، ولا تُبنى بالتاريخ وحده؛ بل تحتاج إلى مؤسسات تتعلم من الماضي، وتفهم الحاضر، وتستعد للمستقبل.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...