الحوار الوطني المنتظر
الكاتب: د. عاطف أبو سيف
لا يجب قصر الحوار الوطني المنتظر على «ترتيب» البيت الداخلي فقط والنظر في المجلس الوطني أو مستقبل الانتخابات في حال تأجيلها، بل إن القضية الأهم التي يجب البحث المشترك فيها تتعلق بمستقبل القضية الوطنية برمتها، وفي قلب كل هذا كيفية استعادة غزة وطنياً وعدم تركها لمصيرها الذي يرسمه مجلس السلام والقاعدة العسكرية الدولية قرب غزة.
من المحزن أن يتم اختزال أي حوار وطني في قضايا إجرائية بعيداً عن جوهر المسألة الوطنية وتتم إعادة تدوير للصراع الحزبي والخلاف الفصائلي حتى يتوافق مع مقتضيات اللحظة.
ثمة مراوغة ومكر في الاتفاق على ترتيب البيت الفلسطيني، كأن الحاجة لفعل ذلك لم تنبع إلا من حاجتنا لإجراء الانتخابات.
كأن هذا الانقسام اللعين لن يبلغ عامه العشرين الصيف القادم وكأننا لم ننتبه قبل ذلك لكل ما ترتب على انقلاب حماس من تهتك في جسد الوطنية الفلسطينية.
الانتخابات مهمة ومهمة جداً، ولكنها ليست الأهم. نعم يجب إجراء الانتخابات ولكن ليس بأي ثمن.
ومرة أخرى فإن المجتمع الدولي الذي يضغط علينا لإجرائها يجب عليه بداية أن يضغط على إسرائيل من أجل السماح بها، لا يجب لأحد أن يطلب منا أن نتنازل عن حقوقنا من أجل أن نثبت أننا ديمقراطيون.
المجتمع الدولي الذي لا يستطيع أن يفعل أكثر من الإدانة والمجتمع الدولي الذي تغلق تل أبيب قنصلياته ومكاتب تمثيله لا يملك الحق أن يفرض علينا أن نقبل انتخابات دون القدس ودون مناطق «ج» وربما دون غزة.
هناك فرق كبير بين أهمية الانتخابات وبين وظيفتها في تعزيز النظام السياسي.
في كل الأحوال لا يجوز تعزيز شرعية المؤسسات على حساب الحقوق ولا يجوز التمسك بالإجراء على حساب جوهر القضية.
ومهما يكن الحال فيجب التفريق بين الحاجة لإجراء انتخابات وسبل تحقيق ذلك بما يكفل تعزيز الحقوق الوطنية وبين الحاجة لحوار وطني عميق يناقش الوضع الفلسطيني الذي لا يسر صديقاً ولا يغيظ عدواً.
وعليه يمكن إجراء الانتخابات إن تم التوافق على ذلك وتم توفر الضمانات بإجرائها في القدس ومناطق دولة فلسطين كافة وبالتوازي يتم إطلاق حوار وطني شامل حقيقي يجب عن أسئلة الراهن والمستقبل.
والأهم من وجهة نظري أن ينظر هذا الحوار في سبل استعادة قطاع غزة ضمن وفاق وطني يكون أساس معركة حقيقية في مواجهة خطط ترامب وتل أبيب لفصله ضمن ترتيبات مؤسساتية تفضي لكيانية غزة.
لا يقول لي أحد إن هذا غير ممكن، لأن هذا يعني أنه فعلاً يصدق وعود واشنطن وتل أبيب. لا يجب أن يصدق المرء إلا ما يفعله لا ما يعده به الآخرون.
إن هذه الانتخابات التي يراد لها أن تكون نقطة انطلاق لاستعادة الشرعية الوطنية في غزة بعد أن أضاعتها حماس وسلمتها لمجلس السلام ووضعتنا تحت وصاية أجنبية، قد تكون خطوة لتعزيز فصل غزة عن مجمل النظام السياسي في حال تعذر إجرائها في غزة بشكل صريح حيث لا تصبح الشرعية الوحيدة النافذة هي شرعية مجلس السلام ولجنته الإدارية.
ما لم توجد ضمانات بأن الانتخابات ستُجرى بشكل سليم وسيتم تمكين مخرجاتها والمؤسسة التشريعية الناجمة عنها بما في ذلك المجلس الوطني الشامل الذي لا تعدو الانتخابات إلا وسيلة لاختيار جزء من ممثليه فإن هذه الانتخابات ستكون طلقة جديدة في جسد غزة المتهتك، وتبعدها أكثر عن الكيانية الفلسطينية الموحدة وليست الكيانات الفلسطينية المتعددة.
وبنفس القدر يجب عدم بث الكثير من التفاؤل حتى لا تكون الخيبة كبيرة، فذاكرة المواطن عن الحوار الوطني سلبية وهو ينظر لها بأنها ليست بأكثر من سياحة سياسية للقاءات مسؤولي الفصائل، إذ إن أكثر من ثلاثين جولة من الحوار الوطني في أكثر من خمس عواصم من بكين حتى الجزائر مروراً بالدوحة وإسطنبول والقاهرة وبالطبع قبل ذلك مكة المكرمة لم تفضِ لشيء إلا للمزيد من الشقاق والتراشق الإعلامي. لاحظوا أنه لا يوجد حوار وطني داخلي، يجب أن يكون في الخارج وبرعاية خارجية، لله في خلفه شؤون.
عموماً الانتخابات والحوار الوطني أمران مهما ولا يقضي أحدهما على الحاجة للآخر ولكن أيضاً لا يتمان بأي ثمن ولا يكون أحدهما على حساب الآخر.
والأهم من كل ذلك فيما يتعلق بالحوار الوطني يجب ألا يقتصر على الترتيبات الداخلية المتعلقة بمؤسسات النظام السياسي خاصة المجلس الوطني واللجنة التنفيذية في حال دخول حماس والجهاد للمنظمة.
ببساطة إذا كان الأمر كذلك فإن ما سيتم إطلاقه ليس حواراً وطنياً بل بحث في «المحاصصة» واستجابة لرغبة البعض «بدي حقي» و «بدي حصتي» وما إلى ذلك، والمواطن بات أكثر وعياً وفهماً لما يجري.
إن جوهر أي حوار وطني يجب أن ينطلق من الصراحة والمكاشفة ومن الإقرار بسوء الحال ويبحث في استراتيجيات وطنية لتعزيز صمود الناس ووقف التآكل في المناعة الوطنية وتحصينها واستعادة قطاع غزة الذي بات يرسم له مصير مختلف تماماً عن كل ما نفكر فيه.
واللجنة ومجلس السلام اللذان رحب بهما الجميع الفلسطيني بلا استثناء لن يكونا مدماكاً في وحدة الحال الوطني بل طريقاً تسير فيها غزة بعيداً ولكن دون مصير. في كل الأحوال فإننا مطالبون بالنظر بجدية لما يجري حولنا وللتحولات التي تمت في الإقليم وفي سياقنا الوطني.
لا يبدو أن المواطنين يصدقون كثيراً ولا حتى قليلاً كل ما يسمعونه من وعود وما وصل إليه حالنا في غزة نزع الكثير من الدسم السياسي عن المستقبل إذ إن ما يحتاجه الناس الآن حياة كريمة ومستقبل أقل خطراً، كما أن الوضع في الضفة الغربية لا يبدو وردياً.
كل ذلك يجعل التفكير في الحالة الوطنية ضرورياً وعدم قصر تفكيرنا على الإجراءات والشكليات التي تضمن ترتيبات خاصة لبناء النظام السياسي.


