الرَّبُّ لَيْسَ دُمْيَةً فِي يَدِ أَحَد
الكاتب: د. محمد عودة
كتب السفير الإسرائيلي السابق في إيطاليا، درور إيدار، في صحيفة «إسرائيل هيوم» يوم 25 نوفمبر 2025، مقالًا بعنوان «يمكن الانتصار في معركة الوعي»، دعا فيه إلى خوض معركة عالمية ضد ما يصفه بأكاذيب أعداء إسرائيل، ورأى أن إسرائيل تستطيع الانتصار إذا لم تتخلَّ عن الساحة الدولية. لكن إيدار لم يكتفِ بالسياسة والإعلام، بل استدعى موسى والتوراة والرب نفسه إلى هذه المعركة، محاولًا جعل الصراع على صورة إسرائيل في العالم امتدادًا لصراع يتعلق باسم الرب.
لم يتوقف إيدار عند الدفاع عن رواية إسرائيل، بل ربط صورتها باسم الله، حتى أصبح انتقادها مساسًا باسم الرب، وأصبح ترك الساحة العالمية لمن ينتقدونها، وفق منطقه، مشاركةً في تدنيس ذلك الاسم. وهنا يتحول الدين من مرجعية أخلاقية تحاسب الإنسان إلى أداة تمنح الدولة غطاءً مقدسًا لأفعالها، وتضع سياساتها في مرتبة تتجاوز المساءلة البشرية.
عن أي رب يتحدث إيدار؟ هل يتحدث عن خالق الكون، أم عن رب سياسي يمكن استدعاؤه إلى معركة إعلامية، وتتغير قراراته لأن المصريين قد يقولون شيئًا، أو لأن الأمم قد تفسر أفعاله بطريقة لا تعجبه؟ إذا كان الحديث عن خالق الكون، فإن الصورة التي يرسمها إيدار للرب تتناقض مع أبسط منطق في مفهوم الإله؛ فخالق الكون لا يحتاج إلى دولة تحمي سمعته، ولا إلى سفير يدافع عن اسمه، ولا إلى حملة علاقات عامة كي يقنع العالم بأنه على حق.
يستند إيدار إلى قصة العجل الذهبي، حين غضب الرب من بني إسرائيل وعرض إهلاكهم، ثم تدخل موسى وذكّره بما يمكن أن تقوله مصر والأمم عن إخراج بني إسرائيل من مصر ثم إهلاكهم في الصحراء، مما دفع الله إلى تغيير رأيه. ويستند كذلك إلى قصة الجواسيس. ومن هاتين القصتين يصل إلى فكرته الأساسية: المساس بشعب إسرائيل تدنيس لاسم الرب في العالم، والتخلي عن الساحة العالمية يضع إسرائيل، بحسب منطقه، شريكةً في هذا التدنيس.
لكن إيدار نفسه يطرح سؤالًا كان ينبغي أن يقوده إلى مراجعة فكرته: لماذا يهتم الله بما سيقوله الآخرون؟ وبدلًا من أن يتوقف عند ما يكشفه السؤال من تناقض، يوظفه لتأسيس موقف سياسي. وهنا يقع الخلط؛ فالحوار الديني في قصة توراتية لا يتحول تلقائيًا إلى قاعدة سياسية تمنح إسرائيل حق ربط سمعتها بسمعة الرب، وتصوير ما يصيبها باعتباره مساسًا باسمه، وجعل الدفاع عنها دفاعًا عن الله. والمفارقة أن إيدار، وهو يقدم نفسه مدافعًا عن الدين، يجعل الخالق محتاجًا إلى المخلوق كي يحمي سمعته، ويربط قرار السماء بكلام البشر.
ثم يأتي إيدار إلى قصة يعقوب، ويستدعي العبارة المعروفة: «صَارَعْتَ مَعَ اللهِ وَمَعَ النَّاسِ وَقَدَرْتَ»، ثم يحولها إلى صيغة جماعية معاصرة: «صارعنا الله والناس وقدرنا عليهم». لكن يعقوب لم يكن قائد دولة يخوض حربًا على صورة شعبه في العالم؛ كان خائفًا من لقاء عيسو، فأرسل الهدايا، وقسّم ما يملك، واتخذ احتياطاته. ورغم خوفه، يدّعي المزوّرون أن يعقوب دخل في صراع غامض مع الرب خرج منه منتصرًا. أما إيدار، فيحوّل القصة إلى شعار للقوة والانتصار: لقد صارعنا الله والناس وقدرنا عليهم، ولذلك نستطيع أن ننتصر في معركة الوعي.
وهنا تظهر المشكلة الأعمق في توظيف الدين سياسيًا. فعندما يُحرَّف النص أو يُزوَّر أو يُنتقى منه ما يخدم موقف الدولة، لا تعود الدولة مطالبة بأن ترتفع إلى مستوى الأخلاق التي يفرضها الدين، بل يُجبَر النص على النزول إلى مستوى الدولة. تفعل الدولة ما تريد، ثم يبحث الخطاب الديني عن نص يمنح أفعالها شرعية. وبربط إسرائيل باسم الرب، يتحول نقدها إلى نقد له، والدفاع عنها إلى دفاع عن اسمه، والخلاف السياسي إلى صراع مقدس تُستخدم فيه القداسة لتحصين السلطة من المساءلة.
وهذه هي النقطة التي يجب رفضها بلا تردد: من يمارس الإبادة والقتل لا يمكن أن يكون من شعب الله المختار. فلا دولة تتحدث باسم الرب، ولا حكومة تملك تفويضًا إلهيًا، ولا جيش يصبح مقدسًا لأنه يحمل اسم شعب أو دين. الدولة والحكومة والجيش كيانات بشرية، وأفعالها وقراراتها يجب أن تبقى خاضعة للمساءلة، ولا يجوز نقل المسؤولية من البشر إلى السماء كلما أصبحت أفعال البشر موضع سؤال، أو تحويل الاعتراض على سياسات دولة إلى اعتداء على الله.
ولا يتعلق هذا باليهودية أو باليهود، فليس من حق إيدار أن يجعل قراءته السياسية للتوراة ممثلةً لدين كامل. اليهودية شريعة لها نصوصها وتقاليدها وقراءاتها المتعددة، واليهود ليسوا كتلة سياسية واحدة. القضية تخص إيدار تحديدًا، وتتمثل في طريقة توظيفه النص الديني لخدمة رواية سياسية معاصرة تتناقض مع الشرائع، تربط إسرائيل باسم الرب وتجعل الدفاع عنها جزءًا من الدفاع عن الله.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدين هو أن يتحول من سلطة أخلاقية على الإنسان إلى أداة في يده. عندها لا يعود الإنسان يبحث عن إرادة الرب، بل عن الرب الذي يوافق إرادته؛ ولا يعود النص يحاكمه، بل يبحث هو في النص عما يحاكم به الآخرين. وهنا يتضح الفرق بين الإيمان والتوظيف السياسي للإيمان: الإيمان يجعل الإنسان أكثر مسؤولية أمام حقيقة أعلى منه، أما التوظيف السياسي فيجعل الجماعة فوق المساءلة لأنها تزعم أن الله معها.
ومن هنا ينقلب حديث إيدار عن معركة الوعي عليه، فالوعي الحقيقي لا يعني إقناع العالم بأن إسرائيل محقة مهما فعلت، ولا تحويل كل انتقاد لها إلى أكاذيب، ولا استدعاء موسى ويعقوب والرب لتوفير حصانة معنوية لدولة تمارس الاحتلال والعدوان. وإذا أراد إيدار الدفاع عن إسرائيل، فعليه أن يواجه الأسئلة السياسية والتاريخية والأخلاقية المتعلقة بأفعالها؛ أما استدعاء الرب إلى المعركة، ثم تصوير إسرائيل ممثلةً لاسمه، فليس قوة في الحجة، بل محاولة لإضفاء حصانة مقدسة على موقف سياسي لا يكتسب المشروعية بمجرد ربطه بالدين.
والأكثر دلالة أن إيدار يستخدم قصة موسى بطريقة انتقائية؛ فهو يتذكر أن موسى دافع عن شعبه، لكنه لا يتوقف بالقدر نفسه عند حقيقة أنه واجه شعبه أيضًا، وغضب منه، ووضع سلوكه موضع المساءلة. لم يكن موسى مجرد محامٍ لبني إسرائيل أمام الرب، بل قائدًا يعرف أن الشعب مسؤول عن أفعاله، وأن الانتماء إلى جماعة لا يلغي المسؤولية الأخلاقية لأفرادها. أما اختزاله في وظيفة الدفاع غير المشروط عن الشعب، فيحوّله من شخصية دينية معقدة إلى أداة في خطاب قومي، ويستبعد من قصته كل ما يذكّر الجماعة بمسؤوليتها عن أفعالها.
ولهذا يمكن قلب العبارة التي يريد إيدار أن يجعلها شعارًا للنصر عليه: ليس المهم أن تقول إسرائيل إنها «صارعت الله والناس وقدرت عليهم»؛ فهذه العبارة كفر حين تتحول إلى مباهاة بالقوة. وهي لا تقول شيئًا عن الحق أو العدل. المهم أن نسأل: ماذا فعلت بعد ذلك؟ وبأي حق؟ وعلى حساب من؟ وتحت أي معيار أخلاقي؟ فالقوة لا تمنح الحق، والانتصار لا يحوّل الظلم إلى عدل، وامتلاك القدرة لا يعني امتلاك تفويض إلهي.
فالرب ليس طرفًا في معارك إسرائيل، ولا يحتاج إلى إسرائيل كي تحمي اسمه، ولا إلى إيدار كي يشرح للعالم إرادته. ومن يربط اسم الرب بدولة أو حكومة أو جيش، ثم يجعل الدفاع عن تلك الدولة دفاعًا عن الرب، لا يرفع الدولة إلى السماء، بل يسحب السماء إلى الأرض ويضعها في خدمة السياسة.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين إسرائيل وخصومها على من يملك الخطاب الأقوى، بل بين من يريد إبقاء الدين مرجعية أخلاقية تحاسب الإنسان، ومن يحوّله إلى سلاح سياسي يحصّن الإنسان من الحساب. والسؤال ليس من انتصر في معركة الوعي، بل من أصبح مسؤولًا أمام من: الإنسان أمام الرب، أم الرب أمام الإنسان؟
الرب الذي خلق الكون لم ولن يكون دمية في يد أحد؛ لا في يد موسى، ولا في يد درور إيدار، ولا في يد حكومة أو جيش أو دولة أو شعب. ومن أراد خوض معركة ظالمة، فليتحمل مسؤوليتها؛ فالحجج الواهية لا تحوّل الظلم إلى عدل، حتى لو ألبسها صاحبها زورًا ثوب الدين، أو استدعى الرب شريكًا فيها ليعفي نفسه ودولته من المساءلة. تستطيع إسرائيل أن تدافع عن روايتها المشروخة، لكنها لا تستطيع استعارة الرب للدفاع عنها؛ فالسماء ليست غرفة عمليات في حكومة، والرب ليس متحدثًا باسم دولة، والقداسة ليست درعًا تحتمي به السياسة حين تعجز عن الدفاع عن نفسها.


