الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:22 AM
الظهر 12:25 PM
العصر 3:39 PM
المغرب 6:10 PM
العشاء 7:25 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

عشر ركائز إِسرائيلية لعقيدة الحرب الدائمة، والأردن في عين العاصفة

الكاتب: د. محمد عودة

في أعقاب السابع من أكتوبر، زاد حديث نتنياهو عن إسرائيل التي تغيّرت، وعن الانتقال من سياسة الاحتواء إلى المبادرة والهجوم، وعن نقل خطوط الدفاع إلى أراضي الخصوم بدلًا من انتظار الخطر داخل الحدود، لم يعد الأمر، وفق هذا المنطق، مجرد استعادة للردع بعد ضربة قاسية، بل تحوّلًا في تعريف الأمن نفسه: من حماية الدولة إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة المحيطة بها بالقوة، ومن الاستعداد للحرب إلى جعلها احتمالًا دائم الحضور في الحسابات السياسية والعسكرية.

هذا التحول هو ما يحاول تامير هايمان، الرئيس التنفيذي لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية، قراءته في دراسته المنشورة في 12 أكتوبر 2026، التي يستخلص فيها عشرة مبادئ يمكن الاستدلال عليها من الممارسة الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر، ويقدمها باعتبارها قراءة تحليلية تهدف إلى كشف التحولات التي قد تكون أخذت تتسلل إلى التفكير الأمني والهوية السياسية الإسرائيلية.

أول هذه المبادئ تقديم الهوية اليهودية على الديمقراطية، بحيث تصبح المحافظة على الطابع اليهودي للدولة أولوية تتقدم على القيم الديمقراطية وحقوق الآخرين، وثانيها التعامل مع السلام بوصفه وسيلة مؤقتة لتحقيق المصالح، لا غاية في ذاته، انطلاقًا من عدم الرغبة في التوصل إلى تسويات دائمة مع العرب، ومن هذا المنطق، لا تعود الحرب استثناءً ينبغي تجنبه، بل تتحول إلى حالة مستمرة، فيما تصبح التسويات محطات مؤقتة لا تنهي الصراع ولا تعالج أسبابه.

أما المبدأ الثالث، فيتصل بالتعامل مع الدول العربية باعتبارها كيانات هشة قابلة للتفكك، بحيث لا يُنظر إلى استقرارها بالضرورة بوصفه مصلحة إسرائيلية، ويتصل بذلك المبدأ الرابع، وهو توسيع مفهوم الدفاع إلى ما وراء الحدود، من خلال إقامة مناطق أمنية في أراضي الخصوم، وتثبيت الوجود العسكري والاستيطاني في مناطق الاحتكاك، بدلًا من الاكتفاء بالدفاع عن الحدود المعترف بها، وهكذا يصبح العمق الجغرافي للدول الأخرى جزءًا من الحساب الأمني الإسرائيلي، وتتحول أراضيها وسكانها إلى عناصر في معادلة الأمن الإسرائيلي، حتى لو كان الثمن مزيدًا من عدم الاستقرار والدمار.

ويشمل هذا التصور أيضًا المبدأ الخامس، المتمثل في تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة، انطلاقًا من الاعتقاد بأن التحالفات الخارجية متغيرة وتحكمها المصالح، وأن إسرائيل ينبغي أن تعتمد أساسًا على قدراتها الذاتية، أما المبدأ السادس، فيتمثل في تفضيل المبادرة الهجومية والحرب الاستباقية على الاكتفاء بالدفاع والردع التقليديين، بما يتيح، وفق هذا التصور، فرض الوقائع قبل أن يفرض الخصم وقائعه، ويعني ذلك توسيع نطاق التهديد ليشمل الأخطار المحتملة والمستقبلية، لا الأخطار القائمة وحدها، وهو ما قد يجعل استخدام القوة خيارًا متكررًا كلما توقعت إسرائيل تغيرًا في ميزان القوى.

ويتمثل المبدأ السابع في توسيع دور المستوطنين والمدنيين في المنظومة الأمنية، بحيث لا يعود الاستيطان مجرد مشروع أيديولوجي أو ديمغرافي، بل يتحول إلى أداة لتثبيت السيطرة وخلق وقائع يصعب التراجع عنها، ويكتمل هذا الجانب بالمبدأ الثامن، وهو السعي إلى الاستقلال الصناعي والتكنولوجي في مجالات السلاح والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، لتقليل الارتهان لسلاسل التوريد والشراكات الخارجية، وتعزيز القدرة على مواصلة العمليات العسكرية حتى في ظل تغير المواقف الدولية أو تراجع الدعم الخارجي.

أما المبدأ التاسع، المتصل بالقضية الفلسطينية، فيكشف جانبًا بالغ الخطورة من هذا التحول: محاولة إعادة تعريف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره صراعًا عربيًا إسرائيليًا أوسع، بما يهمّش خصوصية القضية الفلسطينية وحقوق شعبها الوطنية، ويتيح التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم مشكلة أمنية وسكانية، لا شعبًا له حق في الحرية وتقرير المصير، وعندما تُدمج القضية الفلسطينية في حسابات الصراع الإقليمي، يصبح من الممكن الترويج لتفاهمات بين الدول بوصفها بديلًا عن معالجة الاحتلال، وتهميش حقوق الفلسطينيين في سبيل ترتيبات أمنية وسياسية لا تعالج جذور الصراع.

أما المبدأ العاشر، فيتمثل في إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالقوة، وإضعاف الخصوم وتوسيع مجال الحركة الإسرائيلية لمنع ظهور توازنات تحدّ من قدرتها على فرض خياراتها، وعندما تجتمع هذه الرؤية مع الاستيطان والحرب الاستباقية ومناطق السيطرة الممتدة إلى ما وراء الحدود، يصبح الأمن مفهومًا يتجاوز حماية السكان إلى فرض شروط سياسية وجغرافية على شعوب المنطقة.

هذه المبادئ العشرة، إذا قُرئت مترابطة، ترسم صورة لعقيدة لا تكتفي بمواجهة التهديدات، بل تسعى إلى إعادة تشكيل المحيط الإقليمي بالقوة، وتربط أمن إسرائيل بتفوقها العسكري وإضعاف خصومها وتوسيع مجال حركتها، والخطر هنا أن يتحول كل اتفاق إلى هدنة مؤقتة، وكل تهدئة إلى فرصة لإعادة الاستعداد للحرب، وكل أرض يُفرض عليها الوجود العسكري أو الاستيطاني إلى مساحة جديدة من الصراع، وعندها لا يعود السلام نقيض الحرب، بل مجرد محطة بين حربين، ولا يعود الأمن حالة يمكن بلوغها، بل ذريعة مفتوحة لتوسيع السيطرة.

وهنا تبرز المقارنة مع حركة عسيرت الإسرائيلية، التي أسسها الحاخام شالوم شوارتز عام 2007، وتعرّف نفسها بأنها حركة اجتماعية غير سياسية تسعى إلى جمع الإسرائيليين حول القيم المشتركة المستمدة من الوصايا العشر، وهي لا تقدم نفسها حزبًا سياسيًا، بل حركة تسعى إلى تجاوز الانقسامات الدينية والسياسية والاجتماعية، وبناء مجتمع يستلهم الوحدة والسلام والمسؤولية المتبادلة، ويرى في الوصايا العشر بوصلة أخلاقية للحياة اليومية، وتؤكد الحركة أن هذه القيم يمكن أن تسهم في بناء مجتمع يهودي وديمقراطي يكون نموذجًا للآخرين.

لكن المقارنة بين الوصايا العشر ومبادئ العقيدة الأمنية الجديدة تفتح سؤالًا يتجاوز الاختلاف بين خطاب أخلاقي وخطاب عسكري. فماذا تعني الوصية لا تقتل عندما يصبح القتل واسع النطاق جزءًا من إدارة الصراع؟ وماذا تعني الدعوة إلى السلام والمسؤولية المتبادلة عندما يُعامل السلام بوصفه وسيلة مؤقتة، ويُنظر إلى استقرار الشعوب المجاورة باعتباره أمرًا قد يتعارض مع المصالح الأمنية؟ وماذا يبقى من العدالة واحترام الإنسان عندما تُختزل قضية شعب كامل في مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها أو إخضاعها؟

إن المعضلة الحقيقية ليست في أن إسرائيل تعيد النظر في عقيدتها الأمنية بعد صدمة السابع من أكتوبر؛ فكل دولة تعيد تقييم سياساتها بعد الصدمات الكبرى، المعضلة هي في الاتجاه الذي تسلكه هذه المراجعة: هل تقود إلى تحويل الصدمة إلى مبرر دائم للحرب والتوسع وفرض الوقائع؟ وهل تصبح القوة وسيلة لحماية الحياة، أم تتحول الحياة وحقوق الشعوب الأخرى إلى أثمان مقبولة في سبيل القوة؟

لقد وضع هايمان أمام القارئ الإسرائيلي سؤالًا يتجاوز حسابات الجيش والاستخبارات: ماذا يحدث لهوية الدولة عندما تتغير عقيدتها الأمنية بهذا العمق؟ ويمكن توسيع السؤال: ماذا يحدث لمجتمع يستحضر الوصايا العشر بوصفها أساسًا أخلاقيًا مشتركًا، بينما تتجه سياساته إلى ترسيخ منطق الحرب الدائمة وتوسيع السيطرة؟ إن الاختبار الحقيقي لأي مرجعية أخلاقية ليس قدرتها على توحيد الجماعة حول ذاتها، بل قدرتها على منع هذه الجماعة من تحويل تفوقها إلى حق في إخضاع الآخرين.

وتتضح خطورة هذا المسار بصورة خاصة بالنسبة إلى الأردن. فالتوسع الاستيطاني وتثبيت السيطرة في الضفة الغربية، إلى جانب تهميش الحقوق الوطنية الفلسطينية، يضيّق المجال أمام قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، ويزيد مخاطر الضغط على الفلسطينيين لدفعهم إلى الرحيل، وإذا تم التهجير، بصورة مباشرة أو عبر فرض ظروف تجعل البقاء متعذرًا، إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع السكاني، فإن الأردن سيواجه تداعيات تمس أمنه الوطني وسيادته واستقراره، فضلًا عن محاولات تحميله عبء قضية لا يجوز أن تكون تصفيتها على حسابه أو على حساب الشعب الفلسطيني، لذلك لا يمكن للأردن التعامل مع هذه التحولات باعتبارها شأنًا فلسطينيًا داخليًا أو مجرد تطور في العقيدة العسكرية الإسرائيلية؛ فمآلاتها قد تمسّ مباشرة حق الفلسطينيين في أرضهم، وحق الأردن في حماية حدوده وقراره الوطني ورفض تحويله إلى بديل عن فلسطين.

إن أخطر ما في عقيدة الحرب الدائمة أنها لا تكتفي بإدامة الصراع، بل تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة على إيقاع القوة الإسرائيلية، بحيث تتحول حدود الدول وسيادتها وحقوق شعوبها إلى مسائل قابلة لإعادة النظر كلما اقتضت الحسابات الأمنية الإسرائيلية ذلك، وفي قلب هذه المعادلة يقف الأردن، لا بوصفه جارًا يتابع صراعًا يدور على حدوده فحسب، بل بوصفه دولة قد تجد نفسها في مواجهة تداعيات مشروع يريد حسم القضية الفلسطينية على حساب الفلسطينيين وجوارهم، ويفتح الباب أمام تحويل التهجير من جريمة يفرضها الاحتلال إلى أزمة إقليمية يُراد للأردن أن يتحمل عبئها.

وهنا تتكشف المفارقة الكبرى: فالدولة التي تجعل التفوق العسكري ضمانتها الدائمة للأمن لا تنهي مصادر الخطر، بل تعيد إنتاجها، وتوسّع دائرة الخصومة، وتدفع جيرانها إلى العيش تحت ضغط احتمالات لا تنتهي، أما السلام الذي لا يقوم على إنهاء الاحتلال وصون الحقوق واحترام سيادة الدول، فليس سلامًا، بل هدنة مؤقتة .

عشر ركائز لعقيدة الحرب الدائمة، والأردن في عين العاصفة: ليست المسألة مجرد عقيدة عسكرية إسرائيلية، بل سؤال عن شكل المنطقة التي يُراد بناؤها، وعن الدول والشعوب التي ستدفع ثمنها، وفي مقدمتها الأردن، الذي لا يستطيع التعامل مع هذه التحولات باعتبارها شأنًا فلسطينيًا أو إسرائيليًا داخليًا؛ لأن المساس بحقوق الفلسطينيين وفرض التهجير عليهم يمسّ مباشرة أمنه الوطني وسيادته ومستقبله.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...