سلفيت خلف البوابات الحديدية: حين يتحول إغلاق الطرق إلى تهديد لحياة المرضى
الكاتب: د. عمر السلخي
المدخل الشمالي المغلق.. معاناة تتجاوز حدود الجغرافيا
ليس إغلاق المدخل الشمالي التاريخي لمدينة سلفيت مجرد إجراء يقيد حركة المواطنين، ولا عقبة مرورية يمكن تجاوزها بطرق بديلة؛ بل هو تهديد مباشر لحياة المرضى، واعتداء على حق أساسي من حقوق الإنسان، يتمثل في الوصول الآمن والسريع إلى الخدمات الصحية.
فمع تكرار إغلاق هذا المدخل، يجد آلاف المواطنين أنفسهم أمام رحلة شاقة للوصول إلى العلاج، في محافظة تعاني أصلًا من قيود الاحتلال على الحركة والتنقل، فيما تصبح المسافة بين المريض والمستشفى اختبارًا قاسيًا للوقت والأعصاب، وقد تتحول في الحالات الطارئة إلى سباق مع الموت.
القطاع الصحي في مواجهة الإغلاق
تتجاوز تداعيات إغلاق المدخل الشمالي حدود معاناة المواطنين، لتطال قدرة المؤسسات الصحية على أداء واجباتها. إذ تواجه مديرية صحة سلفيت صعوبات في تشغيل 13 عيادة صحية ومركز للطوارئ، نتيجة عرقلة وصول الكوادر الطبية إلى أماكن عملها، وتأخير تزويد المراكز بالأدوية والمستهلكات الطبية ومطاعيم الأطفال.
ولا تتوقف الأضرار عند هذا الحد؛ فالإغلاق يعيق عمل الفرق الصحية الميدانية، ويحد من تنفيذ مهام التفتيش البيئي، ويصعّب وصول المرضى والمراجعين إلى مديرية الصحة ومستشفى سلفيت الحكومي، الذي يشكل المستشفى الحكومي الوحيد في المحافظة.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن ضمان استمرارية الخدمات الصحية، وحماية حياة المواطنين، في ظل طرق يمكن إغلاقها وبوابات تستطيع أن تعزل مدينة بأكملها عن محيطها؟
محافظة خلف البوابات.. تجمعات فلسطينية تتحول إلى سجون
إن خطورة المشهد في سلفيت لا تكمن في إغلاق مدخل واحد فحسب، بل في واقع جغرافي مفروض على المحافظة بأكملها؛ حيث تحاصر البوابات الحديدية مداخل القرى والبلدات، وتُفتح وتُغلق وفقًا لإجراءات الاحتلال، لتتحول حرية الحركة إلى امتياز مشروط، بدلًا من أن تكون حقًا طبيعيًا للمواطن الفلسطيني.
هذه البوابات لا تعطل حركة المركبات فقط، بل تعيد رسم الحياة اليومية للسكان، وتقيّد وصول الطلبة إلى مدارسهم، والعمال إلى أماكن عملهم، والمزارعين إلى أراضيهم، والمرضى إلى المستشفيات والعيادات.
وبذلك، تتحول التجمعات الفلسطينية إلى ما يشبه السجون الكبيرة المفتوحة، التي يُحاصر فيها الإنسان داخل جغرافيا وطنه، ويصبح وصوله إلى أبسط حقوقه مرهونًا ببوابة قد تُفتح أو تُغلق في أي لحظة.
عندما يصبح الطريق قضية حياة أو موت
إن حرية الوصول إلى العلاج ليست قضية خدمية ثانوية، ولا مطلبًا يمكن تأجيله أو إخضاعه للحسابات الأمنية للاحتلال؛ إنها قضية إنسانية وأخلاقية ترتبط مباشرة بحق الإنسان في الحياة والصحة والسلامة.
فالمريض الذي يحتاج إلى تدخل طبي عاجل لا يستطيع انتظار فتح بوابة، والطفل الذي يحتاج إلى مطعوم لا ينبغي أن يكون ضحية لإغلاق الطرق، والطواقم الطبية التي تحمل مسؤولية إنقاذ الأرواح يجب أن تتمكن من الوصول إلى أماكن عملها دون عوائق.
إن استمرار هذه القيود يفرض أعباء إضافية على القطاع الصحي الفلسطيني، ويعمّق معاناة المواطنين، ويهدد مبدأ العدالة في الوصول إلى الخدمات الصحية، خصوصًا للفئات الأكثر ضعفًا واحتياجًا.
نداء عاجل: افتحوا الطريق أمام الحياة
أمام هذه التداعيات الخطيرة، تبرز الحاجة إلى تحرك عاجل من الجهات الرسمية والحقوقية والإنسانية، للضغط من أجل إنهاء إغلاق المدخل الشمالي لمدينة سلفيت، وضمان حرية حركة المرضى والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، وتأمين وصول الأدوية والمستلزمات الطبية والمطاعيم إلى المراكز الصحية دون عوائق.
كما أن حماية القطاع الصحي تتطلب موقفًا واضحًا من القيود التي تعزل المدن والقرى الفلسطينية، وتحوّل الوصول إلى الخدمات الأساسية إلى معاناة يومية.
إن مدخل سلفيت ليس مجرد طريق، بل شريان حياة لمحافظة بأكملها. وإغلاقه لا يحاصر المكان وحده، بل يضع صحة الإنسان وكرامته وحقه في الحياة أمام الخطر.
فلا يجوز أن تبقى حياة المرضى رهينة بوابة حديدية، ولا أن يتحول الوصول إلى المستشفى إلى رحلة محفوفة بالمخاطر.
افتحوا الطرق أمام المرضى، واتركوا للإنسان حقه في الوصول إلى العلاج؛ فالأبواب الحديدية قد تحاصر الجغرافيا، لكنها لا تستطيع أن تلغي حق الإنسان في الحياة.



