الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:27 AM
الظهر 12:23 PM
العصر 3:33 PM
المغرب 6:03 PM
العشاء 7:18 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

عجلة لقدّام والنبي..

الكاتب: رامي مهداوي

في زيارتي الأخيرة إلى القاهرة، كنت في سيارة أجرة وسط شارع مزدحم إلى الحد الذي بدا فيه أن السيارات لم تعد وسائل للحركة، بل قطعًا ثابتة من مشهد طويل من الانتظار. أبواق السيارات ترتفع، الوجوه متعبة، والمسافات القصيرة تحتاج إلى صبر طويل. وفجأة، أخرج السائق رأسه من النافذة وصاح لسائق أمامه: "عجلة لقدّام والنبي!"

نظرت إلى الشارع. لا مكان للعجلة، ولا حتى لنصف عجلة. كل شيء أمامنا كان مغلقًا بالسيارات والبشر والضجيج. سألته مستغربًا ومبتسماً: لماذا تقول له "عجلة لقدّام" والشارع أصلًا واقف ولا توجد مساحة للحركة؟

ابتسم وقال ببساطة: "عشان يبقى عندنا أمل إننا نتحرك."

كانت جملة عابرة بالنسبة إليه، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة لي. بقيت أفكر فيها بعد أن تحركت السيارة، وبعد أن غادرت القاهرة. أحيانًا تختصر حكمة الشارع ما تحتاج السياسة إلى مؤتمرات طويلة لتقوله. فالمسألة لم تكن عجلة سيارة، بل كانت فلسفة كاملة: عندما يكون الطريق مسدودًا، لا تطلب المستحيل، اطلب مساحة صغيرة إلى الأمام. لأن العجلة الواحدة تعني أن الوقوف ليس أبديًا.

وربما نحن في فلسطين أحوج ما نكون اليوم إلى هذه الفلسفة: عجلة لقدّام والنبي؛ واقعنا مزدحم بالأزمات إلى درجة تجعل الوقوف مفهومًا أحيانًا. احتلال وحرب ودمار، أزمة مالية، هدم وفقر، مؤسسات تعمل تحت ضغط استثنائي، اقتصاد يضيق، أفق سياسي يكاد يختفي، ومواطن أنهكته الأخبار والانتظار. وكل أزمة منها تصلح وحدها ذريعة كافية لأن نقول: ماذا نستطيع أن نفعل؟

لكن السؤال الأخطر ليس ماذا نستطيع أن نفعل، بل ماذا يحدث لنا إذا توقفنا جميعًا في انتظار أن ينفتح الطريق كاملًا؟ الدول والمجتمعات لا تتقدم دائمًا بالقفزات الكبرى. أحيانًا تنجو بعجلة. خطوة صغيرة هنا، وقرار هناك، ومبادرة في مؤسسة، وفرصة لشاب، ومشروع في قرية، وتحسين في خدمة، وفكرة جديدة داخل جامعة، ومساحة إضافية للقطاع الخاص، وتعاون بين مؤسستين كانتا تعملان منفصلتين. هذه الأشياء قد تبدو صغيرة أمام حجم المأساة، لكنها حين تتراكم تصبح حركة، والحركة تصنع اتجاهًا، والاتجاه يصنع مستقبلًا.

مشكلتنا أحيانًا أننا نريد الطريق مفتوحًا بالكامل قبل أن نتحرك. ننتظر الحل السياسي حتى نبني الاقتصاد، وننتظر المال حتى نطور المؤسسة، وننتظر الاستقرار حتى نبتكر، وننتظر الظروف المثالية حتى نبدأ. لكن الظروف المثالية لا تأتي إلى الشعوب الواقعة تحت الأزمات. الشعوب الحية تصنع الممكن داخل المستحيل، وتبحث عن متر للحركة عندما يكون الطريق كله مزدحمًا.

ليس المطلوب أن نتجاهل الاحتلال أو أن نجمّل الواقع. وليس من الحكمة تحويل الأمل إلى شعار يخفي العجز. المطلوب هو العكس تمامًا: أن نعترف بحجم الجدار، ثم نبحث عن الفتحة التي نستطيع توسيعها.

لو تحركت كل مؤسسة فلسطينية "عجلة لقدّام"، ماذا سيحدث؟ لو قررت كل مؤسسة أن تحسن خدمة واحدة حقيقية كل شهر، وكل بلدية أن تحل مشكلة واحدة مزمنة، وكل جامعة أن تربط برنامجًا أكثر بحاجة المجتمع، وكل شركة أن تمنح فرصة جديدة، وكل مؤسسة أهلية أن تقيس أثرها بما تغيره لا بما تنفقه، وكل مسؤول أن يسأل في نهاية يومه: ما الذي تقدم اليوم ولو قليلًا؟ ربما لن ينفتح الطريق غدًا، لكننا بالتأكيد لن نبقى في المكان ذاته.

فالوقوف الطويل لا يعطل الطريق فقط؛ إنه يغير النفس البشرية. يجعل الإنسان يعتاد العجز، ثم يدافع عنه، ثم يحوله إلى فلسفة. وبعد فترة لا يعود السؤال: كيف نتحرك؟ بل: لماذا نتحرك أصلًا؟ وهنا تصبح الأزمة أخطر من أسبابها، لأن العجز ينتقل من الواقع إلى العقل.

نحن لا نملك ترف هذا النوع من الاستسلام؛ الفلسطيني الذي حافظ على وجوده فوق هذه الأرض لم يفعل ذلك لأن الطريق كان يومًا سهلًا، بل لأنه ظل يجد، في كل مرة، مساحة لعجلة أخرى إلى الأمام. بنى مدرسة في زمن صعب، وافتتح مشروعًا في اقتصاد محاصر، وزرع أرضًا مهددة، وتعلم وسافر وعاد، وكتب وغنى وعلّم أبناءه وحافظ على ذاكرته. كانت حياته، بمعنى ما، سلسلة طويلة من العجلات الصغيرة إلى الأمام.

ولذلك ربما لا نحتاج دائمًا إلى خطابات ضخمة عن المستقبل. نحتاج أحيانًا إلى سؤال بسيط جدًا: ما العجلة التي نستطيع تحريكها اليوم؟ فالظلام لا يصبح أقل ظلامًا لأننا أجدنا وصفه، والأزمة لا تنتهي لأننا أصبحنا خبراء في تعداد أسبابها. يمكننا أن نقف طويلًا ونلعن الظلام، ويمكننا أن نشعل شمعة، لكن ربما علينا أيضًا أن ندفع العربة قليلًا إلى الأمام.

لا أحد يطلب منا أن نصل اليوم. ولا أحد يستطيع أن ينكر أن الطريق الفلسطيني من أكثر الطرق ازدحامًا بالعوائق والظلم والتناقضات. لكن بين الوصول والوقوف توجد مساحة اسمها الحركة، وهي المساحة التي يجب ألا نتنازل عنها.

لقد قالها سائق تاكسي في شارع قاهري مزدحم دون أن يقصد أن يقدم نظرية في السياسة أو التنمية أو إدارة الدول. كان يريد فقط أن تتحرك السيارة أمامه قليلًا، كي يشعر أن الطريق ما زال طريقًا، وليس موقفًا أبديًا.

وأظن أن فلسطين اليوم تحتاج إلى الجملة ذاتها، من النادي إلى المؤسسة والجمعية، ومن الجامعة إلى الشركة، العائلة والبلدية والمجلس القروي ومن المسؤول إلى المواطن: عجلة لقدّام والنبي. ليس لأن الطريق مفتوح، بل لأنه مزدحم. وليس لأن الأمل مضمون، بل لأن البديل هو الوقوف. وأحيانًا، في حياة الشعوب كما في شوارع القاهرة  تبدأ المسافات الطويلة بعجلة واحدة إلى الأمام...

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...