الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:29 AM
الظهر 11:23 AM
العصر 2:32 PM
المغرب 5:01 PM
العشاء 6:17 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

هل ستغيّر الانتخابات القيادة أم ستُخرج إسرائيل من مأزقها الاستراتيجي؟

الكاتب: اللواء أحمد عيسى

من المقرر أن تتجه إسرائيل غدًا، الثلاثاء الموافق السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026، لانتخاب البرلمان (الكنيست) السابع والعشرين. ويصف الجميع في إسرائيل تقريبًا هذه الجولة الانتخابية بأنها مصيرية، بل الأهم في تاريخ إسرائيل منذ إعلان تأسيسها عام 1948.
أما لماذا تُعدّ هذه الجولة من الانتخابات مصيريةً وأهمَّ جولة في تاريخ إسرائيل، فتكمن الإجابة في أنها الأولى التي تُجرى بعد كارثة السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كما توصف إسرائيليًا. وقد أسقطت هذه الكارثة وهمَ اكتمال بناء «الجدار الحديدي» الذي دعا إليه جابوتنسكي في عشرينيات القرن الماضي، وهو الوهم القائل إن على أعداء إسرائيل من الفلسطينيين والعرب والمسلمين الاستسلام لحقيقة أن إسرائيل وُجدت في المنطقة لتبقى، وأن هزيمتها مستحيلة.
وتتجلى مؤشرات هذه الكارثة في السجال العام بين الإسرائيليين، سواء في الأسواق العامة، أو في وسائل المواصلات العامة، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك في وسائل الإعلام ومنشورات معاهد ومراكز التفكير الاستراتيجي الإسرائيلية. وهذا يدل على أن هدف هذه الجولة من الانتخابات لا يقتصر على تحديد هوية رئيس الحكومة المقبل، بل يتعداه إلى الأمل في اختيار من يراه الناخب قادرًا على إخراج إسرائيل من مأزقها الاستراتيجي، الذي أصبح واضحًا وملموسًا لدى أصغر الإسرائيليين سنًا، في كل ما يمس شروط حياتهم اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا وسياسيًا وأخلاقيًا.
فما المأزق الاستراتيجي الإسرائيلي؟
تتعدد أبعاد المأزق الاستراتيجي الإسرائيلي، إلا أن جوهره، كما بدأ يتجلى بعد السابع من أكتوبر، يكمن في الفجوة بين القدرة على استخدام القوة والقدرة على إنتاج أمن مستدام للدولة ومواطنيها، ولا سيما اليهود منهم. فالتفوق العسكري يتيح القدرة على ارتكاب جرائم الإبادة والتهجير القسري، وتدمير قدرات الخصوم واحتلال أراضيهم، لكنه لا يوفر الشعور بالأمن، ولا يجيب وحده عن أسئلة الحكم بعد الحرب، ولا يمنع تجدد المقاومة، ولا ينجح في تحديد شروط الانسحاب أو التسوية. ومن هنا، يصبح استمرار العمليات العسكرية أو الحرب الدائمة وسيلةً لتأجيل الأسئلة السياسية، بينما تتراكم كلفة غياب الإجابات.
ويحتل الصراع مع الفلسطينيين موقعًا مركزيًا في هذا المأزق، بل هو العامل المؤسس له في أبعاده كلها؛ إذ تسعى إسرائيل في صراعها مع الفلسطينيين إلى الجمع بين السيطرة الأمنية على الأرض، ومنع قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، والمحافظة في الوقت نفسه على تعريفها دولةً يهوديةً وديمقراطية. وكلما اتسعت السيطرة والاستيطان، ازدادت صعوبة التوفيق بين هذه الأهداف، وارتفعت كلفة الحكم المباشر أو غير المباشر لملايين الفلسطينيين.
وفي الواقع، ازداد هذا المأزق في بُعده الفلسطيني وضوحًا عام 2005، حين شهد ذلك العام انسحاب إسرائيل أحادي الجانب من غزة وشمال الضفة الغربية. وقد تلخص المأزق في التناقض بين مقاربتين: الأولى مقاربة شارون، ذي الخلفية العسكرية، الذي رأى أن مواصلة اعتماد الاستراتيجية الإسرائيلية نفسها خلال العقود القادمة، وهي الاستراتيجية التي مكّنت إسرائيل منذ عام 1967 من الموازنة بين احتلال سكان معادين وشق صفوف الدول العربية، ستكون باهظة الكلفة وشديدة المخاطر.
أما المقاربة الثانية، فكانت مقاربة نتنياهو، رئيس المعارضة آنذاك، الذي رأى أن الانفصال الأحادي الجانب عن الفلسطينيين يزيد الخطر الآني من دون أن يعالج المشكلة؛ أي إن الانفصال لا يوفر الأمن، وربما يقلص عبء السيطرة، لكنه قد يؤدي إلى نشوء تهديدات جديدة.
ورحل شارون، فيما لا يزال نتنياهو يحاول إصلاح ما أفسده شارون، بحسب تعبيره. لكن الواقع يقول إن إسرائيل لا تزال عالقة في مأزقها الاستراتيجي، بل إن هذا المأزق تعمق. وكان الخبير في الجيوبوليتيك جورج فريدمان قد كتب عام 2007 أنه إذا صحت مقاربة شارون، فيمكن لإسرائيل المناورة؛ أما إذا صحت مقاربة نتنياهو، فهذا يعني أن إسرائيل تواجه مأزقًا لا حل له.
ويزيد من تعقيد هذا المأزق تداخله مع مأزق داخلي يتعلق بالثقة بالمؤسسات، واستقلال القضاء، وتوزيع أعباء الخدمة العسكرية، والمساءلة عن إخفاق السابع من أكتوبر. كما تواجه إسرائيل تحدي الحفاظ على علاقاتها الخارجية في ظل التوتر المرتبط بالحرب والاستيطان. وهكذا، يغدو الأمن مرتبطًا بقدرة الدولة على صيانة تماسكها وتحالفاتها، إلى جانب قدراتها العسكرية.
وفي مواجهة هذه الأزمات، يمكن قراءة توجه معسكر نتنياهو باعتباره رهانًا على مواصلة الضغط العسكري وفرض وقائع ميدانية تُحسّن شروط إسرائيل السياسية. ويمنح وجود القوى الدينية والقومية المتطرفة داخل المعسكر وزنًا أكبر لتوسيع الاستيطان ومشروعات الضم. غير أن هذا التوجه يواجه تناقضًا أساسيًا: فزيادة السيطرة قد تحقق مكاسب إقليمية مباشرة، لكنها توسّع أيضًا المسؤوليات والأعباء التي تتحملها إسرائيل.
أما الاتجاه الرئيسي في المعارضة، فيراهن على استعادة كفاءة مؤسسات الدولة، وترميم الثقة الداخلية، وتحسين العلاقات الخارجية، وربط استخدام القوة بأهداف أوضح. ويطرح آيزنكوت مقاربة أمنية ترفض انهيار السلطة الفلسطينية والحكم الإسرائيلي المباشر لملايين الفلسطينيين، مع الإبقاء على السيطرة الأمنية الإسرائيلية. وتختلف هذه المقاربة عن توجهات الضم الشامل، لكنها لا تطرح الاعتراف بالسيادة الفلسطينية الكاملة بوصفه مخرجًا من الصراع.
وتظهر حدود البديل في توافق نتنياهو وآيزنكوت على رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة في الأفق المنظور، وعلى اشتراط نزع سلاح حماس قبل الانسحاب من غزة، مع الاستعداد لاستئناف القتال. ومع ذلك، توجد خلافات مؤثرة بشأن التوسع الاستيطاني والبؤر غير المرخصة وإرهاب المستوطنين.
لذلك، يصعب اختزال المنافسة في مواجهة بين مشروع حرب ومشروع سلام. والأدق أنها منافسة بين توجهات مختلفة لإدارة القوة والسيطرة، تتفاوت في تقدير كلفتهما وحدودهما. كما أن المعارضة نفسها ليست كتلة متجانسة؛ فهي تضم قوى يمينية وأخرى وسطية، إلى جانب حزب الديمقراطيين المؤيد لحل الدولتين. وتبرز خلافاتها مع معسكر نتنياهو بوضوح أكبر في ملفات القضاء والتجنيد والمساءلة عن إخفاق أكتوبر.
أما انتخابيًا، فتشير الاستطلاعات النهائية إلى احتمال استمرار الانسداد: فقد منحت قناتا 12 و13 وهيئة البث «كان» معسكرَ التغيير ما بين 52 و56 مقعدًا، مقابل 50 مقعدًا لمعسكر نتنياهو، من دون أن يصل أي منهما منفردًا إلى أغلبية 61 مقعدًا. وهذه مؤشرات تفتح الباب أمام مفاوضات صعبة وتبدل التحالفات، وربما العودة إلى الانتخابات، لكنها لا تمثل نتائج محسومة.
وعليه، قد تؤدي الانتخابات إلى تغيير مهم في شكل الحكم، وضبط بعض السياسات، وتخفيف التوتر الداخلي والخارجي. لكن الخروج من المأزق الاستراتيجي يتطلب معالجة العلاقة بين الأمن والسيطرة والحقوق الفلسطينية. وقد تنجح حكومة أكثر كفاءة في تقليل كلفة الأزمة، بينما يظل إنهاؤها مرهونًا بخيارات سياسية تتجاوز الإدارة العسكرية للصراع.
ومن المنظور الفلسطيني، تبقى السياسات الفعلية معيارًا لتقييم الحكومة المقبلة: ماذا ستفعل بالأرض والاستيطان والحقوق والسيادة؟ قد تغيّر الانتخابات اتجاه المأزق وحدته، لكن تجاوز جذوره يحتاج إلى تسوية سياسية تنهي الاحتلال وتضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية؛ وهو ما لا يبدو أن نتائج الانتخابات القادمة ستوفره. وهذا يضع الفلسطينيين أمام السؤال الخالد: ما العمل؟

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...