الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:29 AM
الظهر 11:23 AM
العصر 2:31 PM
المغرب 5:00 PM
العشاء 6:16 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

حين يصبح الظلم عبئًا نفسيًا.. من ينصف الطالب الجامعي؟

الكاتب: نور عطيه

لا يحمل الطالب الجامعي إلى قاعات المحاضرات كتبه وأحلامه فحسب، بل يحمل أيضًا مخاوفه من الفشل، وقلقه على مستقبله، ورغبته في أن يجد بيئة تعليمية تمنحه فرصة للتعلّم والتطور، وتعامله بإنصاف واحترام. لكن ماذا يحدث حين تتحول هذه البيئة، التي يُفترض أن تكون مساحة لبناء الشخصية وصقل القدرات، إلى مصدر إضافي للضغط النفسي؟ وحين يصبح الطالب منشغلًا بكيفية التعامل مع المواقف غير المنصفة، بدلًا من التركيز على تعلّمه وتحقيق طموحاته؟

ولا يمكن النظر إلى الحياة الجامعية بمعزل عن الصحة النفسية للطلبة، التي تُعدّ عنصرًا أساسيًا في قدرتهم على التعلّم والتكيف ومواصلة مسيرتهم الأكاديمية وفي هذا السياق، أظهرت دراسة علمية نُشرت عام 2026، وشملت 410 طلاب جامعيين في الضفة الغربية، أن 58.5% من المشاركين أبلغوا عن ضيق نفسي، كما ارتبط ارتفاع مستويات الضيق النفسي بالضغوط الأكاديمية وانخفاض الدعم الاجتماعي، إلى جانب عوامل أخرى.

وتؤكد هذه النتائج أهمية توفير بيئة جامعية تراعي احتياجات الطلبة النفسية والاجتماعية، ولا تقتصر على متابعة تحصيلهم الأكاديمي.

وفي هذه البيئة، يؤدي الأستاذ الجامعي دورًا يتجاوز نقل المعلومات وتقييم الأداء؛ فهو أحد الأطراف المؤثرة في تجربة الطالب التعليمية، وفي شعوره بالثقة والقدرة على المشاركة والتطور ومن هنا، لا تنفصل المسؤولية الأكاديمية عن المسؤولية الإنسانية، إذ ينبغي أن تقوم العلاقة بين الأستاذ وطلبته على الموضوعية والاحترام والإنصاف، وأن تُمارَس السلطة الأكاديمية بما يخدم العملية التعليمية، لا بما يجعل الطالب يشعر بالإهانة أو التقليل من شأنه.

ولا يعني ذلك أن يُعفى الطالب من المسؤولية أو أن تُمنح له علامات لا يستحقها، بل أن يُقيَّم وفق معايير واضحة وعادلة، وأن تُتاح له فرصة السؤال والتعبير عن رأيه ومناقشة ما يواجهه دون خوف من التهميش. فالاختلاف في الرأي، أو التشدد في المتطلبات الأكاديمية، لا يبرر الإساءة في التعامل، كما أن التجارب القاسية التي مرّ بها الإنسان خلال مسيرته لا تبرر أن يعيد إنتاجها في تعامله مع الآخرين. فالتعليم ليس مجرد نقل للمعرفة، بل ممارسة تقوم أيضًا على احترام الإنسان وكرامته.

وقد لا يكون أثر التعامل غير المنصف ظاهرًا دائمًا، لكنه قد ينعكس على ثقة الطالب بنفسه، واستعداده للمشاركة، وجرأته على طرح الأسئلة أو المبادرة بأفكار جديدة. فالطالب الذي يشعر بأن جهده لا يُقدَّر أو أن إمكاناته لا تجد مساحة كافية للظهور، قد يتردد في التعبير عن قدراته، حتى لو كان يمتلك ما يؤهله للتميز. وعندها، لا تقتصر الخسارة على الطالب وحده، بل تمتد إلى المؤسسة التعليمية التي قد تفوّت فرصة اكتشاف طاقات قادرة على الإبداع والمساهمة في المجتمع.

ولا تعني هذه الملاحظات أن الظلم الأكاديمي هو السبب المباشر للضيق النفسي الذي رصدته الدراسة، لكنها تفتح المجال للتفكير في طبيعة البيئة التي يعيش فيها الطلبة، وفي أثر الضغوط الأكاديمية وطريقة التعامل معهم في تجربتهم الجامعية. فالصحة النفسية لا تنفصل عن الظروف المحيطة بالطالب، ومن المهم أن يجد بيئة تساعده على مواجهة التحديات، بدلًا من أن تضيف إلى أعبائه مصادر جديدة للقلق والإحباط.

ومن هنا، تبرز مسؤولية الجامعات في ضمان وضوح معايير التقييم، وإتاحة قنوات موثوقة لتقديم الشكاوى ومراجعتها بموضوعية، وتوفير خدمات الإرشاد والدعم النفسي عند الحاجة، فوجود آليات عادلة لا يهدف إلى التقليل من مكانة الأستاذ أو المساس بصلاحياته الأكاديمية، بل إلى تعزيز الثقة داخل المؤسسة التعليمية، وضمان أن تكون العلاقة بين أطرافها قائمة على الاحترام والمساءلة. كما أن الاهتمام بالطالب لا يكتمل بمتابعة علاماته ومعدله فحسب، بل يتطلب الالتفات إلى ظروفه واحتياجاته وقدرته على مواصلة مسيرته في بيئة صحية.

في النهاية، لا يُقاس نجاح الجامعة بما تمنحه من شهادات فقط، بل أيضًا بالبيئة التي توفرها لمن يسعون إلى نيلها، فالعلامة تحدد جانبًا من المسار الأكاديمي، لكنها لا تختصر قيمة الإنسان ولا حجم قدراته. والطالب الذي يدخل الجامعة حاملًا أحلامه يستحق أن يجد فيها فرصة حقيقية للتعلم والنمو، وأن يُعامل بإنصاف يحفظ كرامته ويشجعه على تطوير إمكاناته، فالتعليم الذي لا تحكمه العدالة يفقد جزءًا أساسيًا من رسالته، والجامعة التي تسعى إلى بناء المستقبل لا بد أن تبدأ بالإنسان الذي سيحمله.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...