أزمة السیولة النقدیة في قطاع غزة
الكاتب: ھیثم أبوشعبان
راية نيوز: یمر قطاع غزة منذ النصف الثاني من العام 2007 بعدة أزمات سیاسیة واقتصادیة نظرا للنزاعات السیاسیة الداخلیة
التي بدأت منذ الانتخابات التشریعیة عام 2006 والتي أدت إلى لاحقا للانقسام الداخلي وما تلاه من ازدواجیة للسلطة
وغیرھا من الاجراءات التصعیدیة والأحداث المؤسفة. وقد ادى ھذا الانقسام الداخلي والحصار المفروض على
القطاع إلى جعلھ عرضة لإجراءات إسرائیلیة مشددة لاتخضع للاتفاقات السیاسیة والاقتصادیة الموقعة مع منظمة
التحریر الفلسطینیة والسلطة الفلسطینیة ھدفھا شل عجلة الحیاة الاقتصادیة ورفع مستوى معاناة المؤسسات
والشركات والأفراد بقطاع غزة. ومن ھذه الاجراءات إعلان الإحتلال الإسرائیلي لقطاع غزة ككیان معادي ومن ثم
فرض الحصار على القطاع في مجالات الحیاة الاقتصادیة الرئیسیة وحركة الأفراد والبضائع.
وقد بدأت ھذه الإجراءات المتباینة بالتصاعد التدریجي وكان من ضمنھا منع الحركة الحرة لتبادل السیولة النقدیة بین
فروع البنوك (الخمس وأربعون) بقطاع غزة وبین فروعھا الأخرى بالضفة الغربیة او فروع البنوك الإسرائیلیة.
وقد تم ذلك بقرارات منفردة من الجانب الإسرائیلي صدرت عن عدة جھات منھا بنك إسرائیل المركزي ومجلس
الوزراء الإسرائیلي ووزارة الدفاع الإسرائیلیة. وقد بدأ تنفیذ ھذه القرارات بصورة فعلیة بمنع دخول الشیكل
الإسرائیلي الى قطاع غزة في الربع الأخیر من عام 2007 واستمر ھذا المنع بصورة متفاوتة خلال عام 2008 و
2009 من خلال تذبذب واضح بالقرارات التي شملت الشیكل الإسرائیلي والدولار الأمریكي والدینار الأردني وھي
العملات الثلاث المتداولة بقطاع غزة، واتبعت السلطات الإسرائیلیة سیاسة متفرقة بالنسبة لھذه العملات حیث منعت
الشیكل احیانا وسمحت في حالات نادرة ومعدودة بدخول كمیات ضئیلة من العملات الأخرى أحیانأ أخرى و العكس
بالعكس.
وقد أدى كل ذلك إلى حدوث أزمة سیولة نقدیة في قطاع غزة وكان لھا عدة أثار على الاقتصاد من نواحي مختلفة
كان أھمھا:
1. فقدان الثقة بالبنوك حیث قام الكثیر من التجار والمودعین بالامتناع عن الإیداع بالبنك مما فاقم الأزمة التي
وصلت إلى مراحل حرجة جدا في بعض الأوقات.
2. عدم قدرة البنوك على صرف رواتب موظفي السلطة الفلسطینیة الموجودین بقطاع غزة (وعددھم یقدر
بحوالي 77,000 موظف ومتقاعد) او موظفي القطاع الخاص والمؤسسات الدولیة وذلك تبعا لتفاوت توفر
العملات في كل شھر عن الاخر.
3. عدم قدرة البنوك على دفع المتطلبات الخاصة بالمشاریع الدولیة والمساعدات الإنسانیة والتعویضات
(خاصة بعد حرب غزة) وغیرھا من الأموال بعملات الدفع المقررة.
4. نمو الأسواق السوداء للعملات وتشجیع التداول من خلالھا، وھي الحالة الطبیعیة بأي اقتصاد بالعالم خلال
مثل ھذه الأزمات وعند تطبیق قواعد العرض والطلب. وكمثال واضح، وصل في بعض الأحیان فرق سعر
صرف السوق عن السعر الرسمي إلى أكثر من 20 شیكل لكل مائة دولار. وقد أدى ذلك أیضا إلى نمو
نفوذ الاقتصاد الغیر رسمي والغیر مرخص رسمیا وتراجع الاقتصاد الرسمي والمؤسسات والبنوك وقدرتھا
الریادیة والرقابیة بالسوق المحلي.
% 5. انخفاض ودائع البنوك بصورة ملفتة مما اثر على حجم مساھمة فروع قطاع غزة حیث أصبحت 14
بعدما كانت 40 % من محفظة الودائع الفلسطینیة الكلیة.
6. تسرب العملات الصعبة إلى خارج القطاع لعدم القدرة على اعتماد التحویلات المالیة الى إسرائیل (نظرا
لتوقف البنوك الاسرائیلي عن التعامل مع فروع البنوك في قطاع غزة) والى مصر (ظاھرة تجار الأنفاق)
مما اضطر المستوردین إلى الدفع النقدي بطریقة او باخرى.
7. وجود مخزون كبیر من السیولة لدى التجار والأفراد لتفادي الحاجة للتعامل مع البنوك وما لذلك من أثار
سلبیة على الاقتصاد والاستثمار.
8. خلق خلل في حركة العجلة الاقتصادیة حیث أدت ھذه الأزمة الى فقدان حلقة مھمة من حلقات السلسلة
الاقتصادیة وھي الادخار والاستثمار البنكي والتأثیر السلبي على جمیع مرافق الحیاة للمؤسسات والأفراد.
9. تأثرت عدة قطاعات اقتصادیة وتنمویة بھذه الأزمة بصورة مباشرة من نواحي مختلفة ومنھا المؤسسات
المالیة التي تشمل مؤسسات الإقراض الصغیر ومتناھي الصغر وتأثرھا بفروقات أسعار الصرف الناتجة
عن انقطاع السیولة النقدیة حیث:
أجبرت المؤسسات في أحیان كثیرة على تاخیر دفعات السداد لعدم توفر السیولة مما أدى إلى إعادة
جدولة القروض إلى حین توفر السیولة وبالتالي انخفاضنسبة الربحیة لھذه القروض.
اضطرار المقترضین إلى البیع الاجل لاستمرار عملیاتھم مما أدى إلى انخفاض نسبة ربحیتھم ودخولھم
في مشاكل قضائیة وانقطاع السیولة اللازمة للاستمراریة والسداد وقد اتضح ذلك بصورة واضحة لدى
المقترضین البسیطین والذین لم یكن لدیھ حسابات بنكیة للتعامل الداخي ولم تكن طبیعة أعمالھم تتطلب
التعامل البنكي.
وقد قامت عدة جھات رسمیة ومحلیة ودولیة بمحاولات متعددة لحل ھذه الأزمة والضغط على الجانب الاسرائیلي
لتفادي تعاظم الاثار السلبیة لھا ولم تفلح ھذه المحاولات سوى ببعض الاستثناءات لادخال مبالغ محدودة والتي لم
تنجح بحل الأزمة جذریا. وقد شملت ھذه المحاولات الرئاسة الفلسطینیة، ورئیس الوزراء/ د. سلام فیاض
وحكومتھ، ومحافظ سلطة النقد د. جھاد الوزیر وطواقمھ، وجمعیة البنوك الفلسطینیة والبنوك العاملة، والبنك الدولي،
واللجنة الرباعیة الدولیة، وصندوق النقد الدولي، وغیرھا من الجھات. وقد قوبلت ھذه المحاولات والضغوط برفض
من الحكومات الاسرائیلیة وذرائع أمنیة متعددة.
وقد حاولت سلطة النقد والبنوك التعاون لحل الأزمات من خلال عدة خطوات منھا:
1. التعاون بین فروع الضفة الغربیة وقطاع غزة، وحین السماح بدخول مبالغ محدودة، نظرا لمنع دخول
الأموال من فروع البنوك الاسرائیلیة مباشرة، حیث یتم ابقاء مبالغ اضافیة بفروع الضفة أو طلبھا من
اسرائیل خصیصا لتحضیرھا للنقل إلى غزة. وقد تسبب ذلك بخسائر للبنوك تشمل كشف لحساباتھا بالبنوك
الاسرائیلیة وفقدان للفوائد المحصلة من الودائع وتكالیف شحن وتأمین وحراسات اضافیة وغیرھا.
2. التعاون فیما بین فروع البنوك داخل قطاع غزة لتأمین احتیاجات العملات وحسب المتوفر محلیا. ومع ذلك
اضطرت بعض الفروع لھذه البنوك لإغلاق أبوابھا أمام الجمھور في عدة مناسبات تحت ضغط الطلب
المتزاید وعدم توفر السیولة.
3. التعاون فیما بین فروع البنك الواحد بقطاع غزة لتأمین احتیاجات العملات وتقاسم ما ھو متوفر من سیولة
للحفاظ على الاستمراریة.
4. الاتفاق مع وكالة غوث وتشغیل اللاجئین لجلب السیولة اللازمة من البنوك خارج القطاع لدفع رواتب
موظفیھا بشكل شھري تخفیفا للأزمة.
5. الاستعانة بشھادات وتعزیزات من المؤسسات المالیة الدولیة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي
وغیرھا للتدلیل على قوة وشفافیة النظام المصرفي الفلسطیني والتزام البنوك الفلسطینیة بھ وبالمعاییر
والاتفاقیات الدولیة وذلك تفنیدا للحجج الاسرائیلیة لمنع ادخال السیولة النقدیة للقطاع.
6. القیام بطلبات رسمیة ومحاولات مباشرة وغیر مباشرة وضغوطات محلیة واقلیمیة ودولیة لإعادة إدخال
السیولة النقدیة إلى قطاع غزة بصورة منتظمة.
7. قیام مؤسسات الاقراض الصغیر ومتناھي الصغر بإجراءات مختلفة لتخفیف أثر الأزمة عنھا وعن
مقترضیھا مثل إعادة جدولة القروض، النصیحة بفتح حسابات بنكیة للمقترضین لتسھیل التعامل
بالتحویلات، واتخاذ الاجراءات القانونیة لضمان حمایة حقوقھا.
ویتضح من ذلك أن أزمة السیولة النقدیة في قطاع غزة ھي أزمة اقتصادیة صعبة ناتجة عن الأزمة السیاسیة
الفلسطینیة وتتأثر بصورة رئیسیة بقرارات الاحتلال الإسرائیلي للحصار الكلي والعقاب الجماعي لقطاع غزة. ولم
تنجح كافة المحاولات لحل ھذه الأزمة نظرا للتعنت الاسرائیلي وعد تجاوبھ مع أي من ھذه المحاولات. ویتلخص
الحل لھذه الأزمة بالخطوات التالیة والتي ینصح بتفعیلھا فورا لتفادي انھیار الاقتصاد الرسمي ومؤسساتھ في قطاع
غزة وخطر انھیار البنوك والنظام المصرفي بالقطاع:
1. تجنیب المؤسسات المالیة والنظام المصرفي التجاذبات السیاسیة و التشریعات الغیر عملیة واعتباره من
المجالات الواجب حمایتھا لمصلحة المواطن والاقتصاد الفلسطیني كغیره من المجالات الرئیسیة.
2. ضمان ادخال مبالغ السیولة النقدیة المطلوبة من مختلف العملات حسب طلب البنوك العاملة داخل القطاع
وباستمراریة دائمة لاستعادة ثقة السوق بالبنوك واستعادة الودائع المفقودة وانھاء ظاھرة الأسواق السوداء
والغاء الاثار التي ترتبت على ھذه الأزمة.
3. اعادة التعامل بین البنوك الاسرائیلیة وفروع البنوك بقطاع غزة لتمكین التجار ورجال الأعمال من تحویل
المستحقات إلى نظرائھم في اسرائیل وابقاء السیولة النقدیة داخل النظام المصرفي بقطاع غزة.
4. الاتجاه إلى المجتمع الدولي لمراقبة استمراریة ھذه العملیة بناء على التزام المصارف الفلسطینیة بالمعاییر
المھنیة الدولیة وتوفیر أغطیة تعویضیة لخسائر المؤسسات المصرفیة وخاصة مؤسسات الاقراض الصغیر
ومتناھي الصغر المحدودة الربحیة، والتي نتجت (أو ستنتج) عن عدم التزام الجانب الاسرائیلي باستمراریة
ادخال السیولة النقدیة.
وإلى حین ذلك، یبقى القطاع المصرفي والمؤسسات المالیة ومؤسسات الاقراض الصغیر ومتناھي الصغر رھینة
لھذه الأزمة إلى حین عكس الإجراءات الاسرائیلیة القاضیة بمنع التبادل المستمر للسیولة النقدیة بمختلف العملات مع
فروع البنوك في قطاع غزة والحصار المفروض لبدء عملیة ترمیم ما تبقى من الاقتصاد الفلسطیني في قطاع غزة.



