نحو "خارطة طريق" فتحاوية
الكاتب: عبد الناصر النجار
دائماً كان وضع القضية الفلسطينية مؤشراً على وضع حركة فتح؛ على اعتبار أنها الرافعة الأساسية للحركة الوطنية منذ ستينيات القرن الماضي؛ فعندما تمرّ الحركة بحالات ضعف؛ فإن القضية الفلسطينية تنزلق برمّتها إلى وضع غير مريح، والعكس صحيح.
الحركة ـ ومنذ تأسيسها ـ مرّت بعواصف كثيرة، كان الهدف منها إما التدمير والإنهاء وإما ـ بالحدّ الأدنى ـ الإضعاف؛ من أجل تمرير المخطّطات السياسية؛ لإنهاء القضية الفلسطينية، ولكنها تمكنت حتى اللحظة من صدّ هذه المؤثرات، ولكن بتفاوت.
منذ سنوات والحركة تعاني جملة متاعب صحيّة ليست بفعل الشيخوخة، كما يتمنى البعض أو يحاول أن يُقنع نفسه بذلك، ولكن بفعل مجموعة من المؤامرات الداخلية والخارجية، والاحتلال على رأس القائمين عليها.
وفي ظل التطورات المتسارعة للأوضاع في المنطقة، فإن الحركة بحاجة ماسّة اليوم إلى "خارطة طريق" واضحة المعالم؛ من أجل إعادة تفعيلها سياسياً ومالياً وثقافياً وتنظيمياً.
ولعلّ أول مفاصل هذه الخارطة هو الوضع السياسي. ومن الواضح أن هناك انسداداً تاماً في شرايين العملية السياسية برمّتها، وهذا الانسداد لم تعد تنفع معه الجراحة الأميركية؛ لأنها جزء من فعل "الكولسترول" الضار الذي يغلق هذه الشرايين. واشنطن لم تقم ببذل جهد حقيقي كوسيط نزيه، بقدر ما ساهمت بخلق الاحتلال أمراً واقعاً، وتدمير أي فرصة حقيقية للوصول إلى اتفاق؛ من خلال صمتها على أفعاله. وربما كلمات الانفعال أو التنديد، خاصة بالاستيطان، لم تعد سوى ذر للرماد في العيون؛ لأن واشنطن في الوقت الذي تستنكر فيه ـ على استحياء ـ الاستيطان المتواصل، تقدم دعماً لا محدوداً للكيان الإسرائيلي اقتصادياً وعسكرياً ومالياً... بل الأكثر استهجاناً هو ما نراه اليوم من تسابق لمرشّحي الرئاسة الأميركية على دعم إسرائيل، وأصبح هذا الدعم في عرف المزاد الرئاسي.. بمعنى من يدفع ويقدم أكثر للاحتلال. أما أوروبا الضعيفة اليوم، فإنها تصارع من أجل إيجاد حلول لأزماتها المالية، والتي قد تؤدي إلى انهيار الاتحاد الأوروبي أو على الأقل خلخلة البنى الأساسية لهذا الاتحاد.
وبالتالي لا بد لـ"فتح"، سياسياً، من التأكيد على موقف الرئيس ودعمه في رفض أي مساومة للعودة إلى المفاوضات دون وقف الاستيطان، ووضع مرجعيات واضحة، خاصة بالنسبة للحدود. ولعلّ موقف الرئيس الواضح تماماً من زيارة الموفد الأميركي لـ "المقاطعة" قبل أيام بتأكيده أن السلطة لن تكون أو تصبح كسلطة سعد حدّاد في جنوب لبنان، ولن تكون سلطة أمنية، وبالتالي الثبات على الموقف الوطني الموحد هو أحد معالم الخارطة، وأي فلسطيني يحاول اللعب بهذا الملف يدور في خارج إطار الدائرة الوطنية، بل بما يقترب أكثر إلى مفهوم (...)!!.
وبالنسبة إلى الوضع التنظيمي، فإن الحركة ومنذ مؤتمرها السادس ما زالت تعاني في هذا الملف، ولا بد من الإسراع في إعادة صياغة واضحة للعضوية، عضوية ملتزمة عقائدية، تضع مصلحة الحركة فوق مصالحها الخاصة، قادرة على الدفاع عن الحركة، وقادرة على التعبئة، ترفض العمل على طريقة "البرايمرز" السابقة التي كانت إحدى الرصاصات التي وجهت إلى رأس الحركة قبل قلبها دون الانتباه لمخاطر العمل غير المنظم. وهنا يكمن الدور الأهم للقيادة العليا ـ أي اللجنة المركزية والمجلس الثوري ـ اللذين يجب عليهما تحمل مسؤولياتهما في هذا المجال والتحرك السريع بما يشمل كل الأقاليم، بأن يكون هناك اعتبار لمفهومي الانتخاب والقدرة على العطاء.
المفصل الثالث، هو قضية المصالحة، والحركة في هذا المجال واضحة على الرغم من بعض "التشويشات" التي تصدر بين الحين والآخر، وربما القاسم المشترك هو إمكانية إنهاء الانقسام من خلال الاتفاق على مجموعة من المبادئ في هذا المجال، ثم المصالحة الشاملة التي تحتاج إلى جهد ووقت أكبر بكثير مما هو متوافر الآن. يجب أن نضع إطاراً عاماً لإنهاء الانقسام بسرعة، شرط ألاّ تكون المصالحة ضبابية، وألا تكون بنود الاتفاق عامة، حتى لا نقع في حفر التفسير التي ليس لها نهاية.
المفصل الآخر في هذه الخارطة هو الانتخابات، فقد أصبح مطلوباً من الحركة أن تعمل على قاعدة أن الانتخابات ستجري في شهر أيار، وإن كانت هناك تقديرات كثيرة بأنها لن تجري في هذا الموعد، والاستعداد يجب أن يكون جدياً عبر التعلم من الأخطاء السابقة حتى تصل الحركة إلى نقطة التوازن، لا نريد عبارة أن حماس لم تفز، وإنما فتح هي التي خسرت (على أساس التصويت الانتقامي) ولا نريد أن نقول حماس خسرت ولكن فتح لم تفز، نحن بحاجة إلى جهد حقيقي لأن تظل الحركة هي الرافعة الأساسية والأولى ـ كما قلنا ـ للقضية الفلسطينية، أي الفوز الواضح.
إن اختيار الأشخاص المناسبين في الأماكن المناسبة والذين يحظون بشبه إجماع وبقبول من المجتمع المحلي هي شروط واجبة في كل مرشح مع التأكيد على قانون المحاسبة، وألا يكون شكلياً كما حصل في السابق.
المفصل الأخير هو العلاقة مع "الربيع العربي"، القرار في "فتح" يجب أن يكون واضحاً وثابتاً بتأييد "الربيع العربي" وإن وقعت أخطاء هنا وهناك، ولا بد من بناء إستراتيجية مؤثرة للحركة على أساس أن التغيير السياسي العربي في النهاية يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته، وبالتالي لا بد للحركة من التسريع في إقامة العلاقات الجيدة مع كافة فئات الثورات في الدول الشقيقة. هذا البناء يجب أن يكون تراكمياً وليس لمرة واحدة، أو زيارة وفد لهذه الدولة أو تلك. البعد العربي والإقليمي والدولي للحركة يعبر عن تطلعات الفلسطينيين وهو أمر في غاية الأهمية.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



