مرض ' شخصنة ' الخلاف
الكاتب: المهندس عماد عبدالحميد الفالوجي
قضية ' شخصنة الخلافات ' التي تعصف بالمجتمع الفلسطيني أصبحت ظاهرة واضحة للعيان هذه المرحلة ولا يكاد يخلو منها أي مستوى قيادي من رأس الهرم حتى أدناه ، وهذه القضية لابد من التوقف عندها مليا ومناقشتها بشكل دقيق ووضع الحلول الكفيلة بتخفيف تأثيرها على صناعة القرار أو ترسيخ مبادئ العلاقات المجتمعية التي تربط بين كافة أطياف المجتمع الفلسطيني ، فلا يجوز بأي حال أن يتحول أي خلاف مهما كان نوعه أو حجمه بين زعيمين أو قائدين أو بين أي طرفين الى خلاف شخصي يؤدي الى التراشق الإعلامي والشقاق والفرقة ، وبدلا من مناقشة القضايا الخلافية المطروحة بالشكل الذي يناسب هذه الخلافات ، تتحول العلاقة الى خلاف شخصي ، ولا بد من إقصاء أحد طرفي الخلاف لأن الأمور تصل الى حد عدم تقبل الآخر وعدم احتمال الوصول الى أي لقاء أو حلول وسط أو احتفاظ كل طرف بموقفه ورأيه دون اتهام أو تشكيك في مصداقيته ، فليس كل خلاف بالضرورة يؤدي الى قطيعة أو بروز مشاعر الكره والحقد بين الطرفين ، بل هناك خلاف يؤدي بالضرورة الى تبيان حقائق لم يكن بالإمكان اكتشافها بدون طرح الآراء المختلفة ، ولا يمكن تسوية الكثير من القضايا دون إثارة كل الآراء المتعلقة بالمسألة الواحدة ولا بد من الاستماع الى رأي أصحاب الخبرة والدراية وهؤلاء هم أصحاب الرأي ومما يميز أصحاب الرأي أنهم لا يجاملون ولا ينافقون بل يطرحون الآراء التي يقتنعون بها أمام صاحب القرار بل ويدافعون عن آرائهم بكل قوة ويحاولون أن يثبتوا صحة ما يعتقدون بكل الأدلة والبيانات التي يملكونها ، وهؤلاء عادة وما يكون هدفهم ، هو الوصول الى الحق والحقيقة حتى لو استعملوا القسوة وعدم الانصياع السهل لمن يخالفونهم في الرأي ، وهم أيضا يجمعهم خلق الاحترام لكل من يملك رأيًا يستحق التوقف عنده لمناقشته ، ولكنهم لا يحتملون فئة المنافقين والمتسلقين وأدعياء الفكر والثقافة لأن هؤلاء لا يملكون أصلا فكرا ولا موقفًا ، فهذه الفئة تسرق الأفكار وتحاول تسويق ذاتها بأنها تحمل فكرا فتدعي أنها تؤيد صاحب هذه الفكرة أو تلك ، وهذه الفئة هي من تعمل على إثارة النعرات الشخصية وتبث سموم التشكيك في كل من يحمل فكرا مستقلا أو مخالفا لبعض أصحاب القرار ، ومن هنا تتولد الأحقاد الشخصية وتبتعد الحقيقة وينجح أشباه المثقفين في البروز بين طرفي الخلاف وتزداد الفرقة والشقة وندخل في مرض ' شخصنة الخلاف ' وهو مرض خبيث لا علاج لمن أصيب به سوى من اعترف بالمرض ، وعادة أصحاب هذا المرض لا يعترفون به .
' الشخصنة ' يلجأ اليها البعض هروبا من مواجهة الفكر الذي يحمله الطرف المقابل فهو لا يستطيع مواجهته بالحجة والبرهان ولا يملك فكرًا موازيًا له يستطيع طرحه ولا يملك القدرة على إنكار الفكر المطروح ، ومن هنا يكون الباب الواسع للتهرب من المواجهة الصحيحة ، هو البدء بحملة الاتهامات التي تحمل صفة الشخصية في الطرف الآخر والبدء بحملة التشهير بأن ذاك الفكر يهدف الى إثارة الانقسام أو صاحبه يطلب من ورائه المنصب والمال ، أو هدفه هو النيل من كل مخالف له ، وهكذا تبدأ الاتهامات القائمة على تحويل الخلاف من أصله وحقيقته الى خلاف يدخل في صميم شخص حامله ، وتبدأ معركة دفاع صاحب الفكر عن نفسه أمام هجوم الطرف الآخر وتختلط الأوراق ويدخل في الوسط أشباه المثقفين والمنافقين ، وتضيع الفكرة الأصلية وتكون الخسارة في الحقيقة للمجتمع والصالح العام .
' الشخصنة ' مرض يصيب ضعاف النفوس الذين لا يملكون فكرًا خاصًا بهم ولا يطيقون أندادهم من المفكرين فيبادرون الى سياسة الغمز واللمز بكل فكرة جديدة يتم طرحها ، بل ويصل الأمر ببعضهم الى المجاهرة بالقول بأنهم لا يريدون الخير الذي سيأتي من فلان ، وإذا كانت الحقيقة عند فلان فلا نريدها ، وهكذا تكون الأمور قد اتضحت بأن هذا الفريق لا يريد الحقيقة إلا من الجهة التي يؤمن بها ، والمعروف أن الحقيقة لا تعرف عنوانًا بحد ذاته بل هي منتشرة بين الرجال في كل مكان وزمان ، ولهذا كانت المقولة الخالدة ' الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها '. ليس المهم طبيعة الشخص الذي نطق بالحكمة ولا شكله أو اسمه أو لونه أو دينه بل الأهم هو الحق والحقيقة ، وهذا أحد أهم أركان العلاج لمرض الشخصنة الذي يصيب الكثيرين ، لا تناقش ذات الشخص ، بل عليك مناقشة الفكرة التي يحملها أو يطرحها ، ويجب عدم ربط الفكرة بالموقف الشخصي من حاملها ، وهكذا يجب ان تكون العلاقة بين الأفكار والأشخاص .
' الشخصنة ' في حقيقتها قتلٌ للأفكار ونبذٌ للإبداع لأن الأفكار بعد الإفصاح عنها وطرحها للمناقشة والتداول لم تعد ملكًا أو حكرًا على أصحابها بل أصبحت ملكًا للمجتمع ، وبالتالي لا يحق لصاحب الفكرة أن يسحبها أو أن يحدد من يؤمن بها ومن لا يؤمن ، ومن هنا فإنه من غباء البعض ربط الأفكار بأصحابها واعتبارها حكرًا لهم ومنحهم صلاحيات لا يملكونها ، ومن هنا فمن حق كل عاقل أن يفكر وأن يعلن أفكاره على الملأ دون خشية أو تضييق ، وبعد انتشارها تصبح ملكا عاما ، ومن الأخلاق بعد ذلك أن ننسب الخير لأهله ولا نقوم كما يفعل البعض بسرقة أفكار الآخرين عن قصد ، فهذا ليس من شيم العقلاء ومن هنا كان القول الخالد ' من لم يشكر الناس لم يشكر الله ' فلابد أن ننسب الحق لأصحابه .
' الشخصنة ' مرض نفسي يدفع صاحبه الى الاستخفاف بالآخرين وعدم إنزال الناس منازلهم ، ومن هنا فإن افتعال مشاكل شخصية هو محاولة لاستحقار أو الالتفاف على الطرف الآخر وعدم الاعتراف بأي فضيلة له ، وعدم اقتصار الخلاف على القضايا المطروحة بل تعدي ذلك الى ما هو أكبر وأكثر عمقا ومن هنا فإن الخلافات الشخصية تكون أكثر ألما وقسوة من الخلافات الفكرية ، ولا يمكن التوصل الى حل وسط أمام الخلافات الشخصية ، ولكن يمكن فعل ذلك أمام الإشكاليات الفكرية ، فمن حق كل طرف أن يمتلك قناعته الفكرية ولكن ليس من حق أي طرف التعدي على خصوصية الطرف الآخر أو التعدي على شخصه والتشكيك بأهدافه ، فهذه الأمور لا مكان فيها للحلول الوسط أو الإلتقاء أمامها ، ومن هنا فإن التفسخ في العلاقات بين أبناء المجتمع الواحد أو التنظيم الواحد أو العائلة الواحدة هو مرض شخصنة الخلافات ، فهل نصحو ونحذر من هذا المرض الخطير وننتبه له ؟؟.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



