الانقسام ينتهي .. دوافع حركة حماس!
الكاتب: أكرم عطا الله
أخيراً بعد سنوات من المناداة، لمن اعتقد أن لا حياة لمن ينادي القلم والحنجرة والضمير الوطني... يبدو أن قطار المصالحة أطلق صافرة الانطلاق مع نهاية الأسبوع الماضي، حيث غابت التصريحات المتشنجة التي سادت سنوات الظلام، واكتشفت أطراف الانقسام أن الوحدة هي مصلحة وطنية عليا، أن يأتي ذلك الاكتشاف متأخراً بالتأكيد خير من ألا يأتي أبداً.
هناك ما هو مختلف هذه المرة وهذا ما أجمعت عليه كل التصريحات التي عكست أجواء اللقاءات الأخيرة ممن حضروها، وهناك جدية لدى الأطراف للذهاب نحو ترجمة ما اتفق عليه في القاهرة منذ أيار الماضي، إذ تشهد جولات الحوار توافقات ماراثونية على الكثير من القضايا وتقدم الأطراف على ما يبدو كل التنازلات المطلوبة لتلك القضايا التي كانت لسنوات عصية على الحل ولغة الثناء المتبادلة ربما تعكس الأجواء النفسية برغبة طرفي الانقسام في الذهاب نحو واقع جديد وهو المحطة الطبيعية التي كان لا بد من الوصول إليها مهما حاولت جماعات المصالح إطالة أمد الانقسام.
الذي اختلف هذه المرة هو اللغة التي تتحدث بها حماس والتي من الواضح أنها قررت بجدية مختلفة عن السابق بعد أن تمنعت لسنوات عن التوقيع على الورقة نفسها التي لم يتغير أي من بنودها منذ أن وضعتها القاهرة، ولسنوات ورفضت الحركة التوقيع عليها وقدمت ما يكفي من مبررات رفض توقيعها آنذاك والذي يختلف تماماً عن لهجة الحركة الجديدة.
في لقاء مع صحيفة "الشرق الأوسط "نقل على لسان مسؤول كبير في حماس إشادة كبيرة وغريبة بالرئيس "أن الرئيس عباس رجل صريح وواضح في وطنيته" وحين سئل ذلك المسؤول الذي لم تنشر الصحيفة اسمه عن ملف المعتقلين السياسيين، قال: "يجب ألا نضخم من هذا الملف فالسلطة أطلقت أعداداً كبيرة ولم يبق إلا خمسون أو ستون شخصا وهذا العدد مقبول في إطار وجود سلطة وأجهزة أمن تحقق"، وقبل حوالي عامين علقت حركة حماس توقيعها على الورقة المصرية باشتراطها إطلاق سراح المعتقلين ولم يغادر وفدها معبر رفح حينها، فما الذي تغير ؟
لا شك في أن تغيرات الإقليم هي ما دفع بحركة حماس لإجراء كثير من الليونة على مواقفها لتقترب أكثر من بعض المواقف والاستراتيجيات التي كانت الحركة تعارضها بشدة، ومن الطبيعي أن تطرأ تغيرات في السياسة كحالة
ديناميكية ولكن هذه المرة تشهد المنطقة اهتزازات كان لا بد أن تتعاطى معها حركة حماس وأن تحدث تلك الاهتزازات تحولا في مواقفها لتتقدم نحو منظمة التحرير الفلسطينية لتصبح جزءا منها دون أن تشترط كما السابق إجراء تغيرات في المنظمة أو كما أعلن الرئيس عباس قبول حماس ميثاق منظمة التحرير والقرارات التي اتخذتها المنظمة على مدى السنين بما فيها الاتفاقيات مع إسرائيل.
وهناك عدة عوامل استدعت تغيرات في موقف حركة حماس لتجعلها تذهب بكل ثقلها للمصالحة وبمرونة لم تشهدها من قبل سواء على صعيد مؤسسات السلطة والمنظمة أو على صعيد البرنامج السياسي الذي أجمع على النضال السلمي والكفاح الشعبي وهو ما رفضته الحركة على مدى سنوات سابقة قبل وصولها للسلطة وسيطرتها على قطاع غزة.
يجري الحديث عن دور كبير لحركة الإخوان المسلمين بدفع حركة حماس باتجاه المصالحة بعيد سقوط مبارك والضغط بهذا الاتجاه، وقد تمثلت استجابة الحركة للحركة الأم باللقاء الأول والذي دشن عهدا جديدا من العلاقة بين الحركتين المتخاصمتين في السلطة توّجه اللقاء التاريخي بين الرئيس عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس في أيار الماضي والذي أسفر عن الاتفاق على ورقة المصالحة والإعلان عن البدء بتنفيذها والتوافق على برنامج سياسي.
فحركة الإخوان المسلمين بالقاهرة والتي بدأت تجهز نفسها للانتخابات لحظة سقوط مبارك بدأت تدرك أن الانقلاب الذي نفذته حركة حماس بقطاع غزة ربما يستخدم ضدها في الانتخابات المصرية كنموذج للحكم الإسلامي، ولا تريد الحركة الأم لأحد تفرعاتها أن يترك انطباعا ذهنيا لدى جمهور الناخبين في الأقطار العربية أن الإسلاميين يستولون على السلطة بالدبابات والعسكر ومما قاله أحدهم أيضا "لا نريد ناصرا جديدا" بالإشارة لانقلاب جمال عبد الناصر ورفضا من المرشد العام لتجربة الانقلابات العسكرية والتي إلى حد ما جسدتها حركة حماس بقطاع غزة.
والمسألة الأخرى أن الحركة الأم كانت تدرك أن شرعية حماس الدستورية تآكلت بعد انتهاء ولاية زمنية مدتها أربع سنوات ولا تريد الحركة المسؤولة عن أحزاب تتوزع في العالم العربي وتتحفز لاستلام السلطة عبر صناديق الاقتراع أن يعتقد المواطن أن الإسلاميين يذهبون للانتخابات مرة واحدة فقط ولا يعرفون صناديق الاقتراع سوى المرة التي تنقلهم فيها لسدة الحكم.
لكن حركة حماس بعد الربيع العربي أصبحت لديها قناعة بأن هذا الربيع هو إسلامي بامتياز، وأن الجماهير تندفع باتجاه معانقة الحركات الإسلامية بعد إقصاء الدكتاتوريات التي فرضت قيودا هائلة عليها، وبالتالي سيكون للانتخابات العربية انعكاسها في الداخل الفلسطيني وستشكل المصالحة بوابة الانتخابات التي ستنتهي بفوز حركة حماس لتكتمل سيطرتها على الضفة الغربية إضافة لقطاع غزة وهكذا تحكم متحررة من تهمة الانقلاب فلماذا الاستعصاء على غزة ما دامت الانتخابات ستحملها للضفة والسيطرة على كل الوطن باعتراف الصندوق.
والأهم من ذلك كله هو التغير الهادئ الذي يطرأ على مواقف حركة حماس من إسرائيل من العمل المسلح دون بدائل ودون توقف، مروراً بالتهدئة انتهاء بالكفاح الشعبي والسلمي. ومن الواضح أن حركة حماس منذ وصولها للسلطة لم تكتسب شرعية دولية أصبحت الحركة تدرك ضرورتها لإنجاح تجربة الحكم، ولهذه الشرعية استحقاقاتها الدولية ومن الصعب على الحركة أن تعلن قبولها بالاستحقاقات ما يبدو كتنازلات منها، حيث إن الحركة جاهزة لإجراء تغيرات على مواقفها لكن من الصعب الإعلان عنها، وقد مثل فوز تيارات الإخوان المسلمين في تونس والمغرب ومصر وتأكيد تلك التيارات على العلاقة مع الغرب ربما درسا جديدا لحركة حماس، وربما أن ثبات الحركة على مواقفها سيشكل حرجا لحركة الإخوان المسلمين الذين لن يقوموا بإلغاء اتفاقية كامب ديفيد وسيضطرون لقبول السفير الإسرائيلي في القاهرة مع استمرار العلاقة مع الولايات المتحدة "راعي إسرائيل" يصبح من الضروري للحركة الأم إنزال فرعها الفلسطيني عن الشجرة حتى لا يظهر تباعداً حيال موقف الحركة المصرية والتي في طريقها لتشكيل الحكومة.
هل من السهل على حماس أن تعلن تنازلات بتلك السرعة ومن طرف واحد ؟ ربما أن ذلك يحتاج إلى وسيط يمثل الجسر الذي ستمر عليه مواقف حماس الجديدة وهذا الجسر هو الرئيس أبو مازن والذي ستقدم الحركة بشكل هادئ تنازلاتها في إطار قبولها في منظمة التحرير، وهكذا يبدو الأمر إكراما للوحدة الوطنية وتنازلا من أجل الوطن، ومن هنا تبدو الإشارة غير المعهودة لأبي مازن التي تحملها تصريحات حماس وسلاسة دخولها لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي توج بنجاح الاجتماع للإطار القيادي للمنظمة الذي ضم حماس والجهاد أيضا.
منظمة التحرير هي مؤسسة معترف بها دوليا وهكذا بعد أن يئست الحركة من اكتساب شرعية فإن المنظمة تقدمها لها فور الانضمام، هذا ربما يفهم من تصريح مسؤول حماس الذي قال إن حماس "جزء من منظمة معترف بها دوليا ولم ينس ذلك المسؤول أن يقول إن "قوة الرئيس قوة لنا جميعا" إذا حماس ستقدم تنازلاتها من خلال الرئيس وستدخل الشرعية من تحت عباءته بعد أن حاولت خلال السنوات الماضية أن تشق شرعيتها وحدها دون جدوى. وقد ساعد الربيع العربي وحركة الإخوان على إحداث تغيرات هائلة من الواضح أن جميعها يجعلنا نعتقد ونظرا لمصالح وحسابات الأطراف وخصوصا الحركات الإسلامية أن المصالحة هذه المرة جدية ومختلفة عن السابق. إذا نحن أمام عهد جديد.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



