ما لم تقله اسرائيل في بيان خارجيتها
الكاتب: د.أحمد رفيق عوض
كتبت في روايتي "بلاد البحر"الصادرة في رام الله عام 2006,ثم اعيد طبعها في بيروت و عمان في الاعوام 2009,2010, على التوالي,ان الحضارات عند اكتمالها تبحث عن متنفسات لها,قاصداً من وراء ذلك الى القول ان كل حضارة, و بالتالي كل جماعة,تخترع لنفسها اعداء حقيقين أو متخيلين,فالعدو أو النقيض يساهم أو يؤسس للهوية الوطنية و يضع حدوداً و علامات فارقة بين الجماعات فضلاً عن الافراد.
كان محمود درويش مذهلاً عندما اكتشف هذه الحقيقة و صاغها على طريقته الفذة بالقول أن سيرتنا لا يمكن لها ان تكتب بعيداً عن سيرة اعدائنا,فالعدو بالنسبة لنا كما نحن بالنسبة له جزء اساسي من الذكريات أو الأحلام أو الكوابيس,و بهذا الصدد,فإن اسرائيل و حتى اللحظة مصرة على ان تجعلنا جزءاً من كوابيسها الحاضرة و المستقبلية, ان رؤيتنا أو تصورنا بهذا الشكل من قبل اسرائيل, يجعلها تندفع بشكل غير مسبوق إلى محاولة نفينا خارج الزمان و خارج المكان في آن معاً,اسرائيل مصرة ان تحتكر حكاية المكان كله,تريد ان تحتكر دور الضحية و البطل و المالك,فيما تخلع علينا صفة الطارئ و الدخيل و الشيطان, و هي بهذا ترى ان من حقها فعل ذلك بسبب كونها فوق المحاسبة البشرية, أو لأن معاناتها الحقيقية أو المدعاة تعطيها الغطاء و المبرر الاخلاقي لأن تنفي و تثبت ما تريد,ان هذا هو سر البيان الذي اصدرته وزارة الخارجية لاسرائيلية يوم 21/12/2011 و وصفته الصحف العبرية ذاتها بأنه بيان غير مسبوق في الحدة و المواجهة مع بعض دول الاتحاد الاوروبي التي تجرأت و انتقدت استمرار الاستيطان في الاراضي الفلسطينية.البيان الاسرائيلي-و ببساطة متناهية-تناسى الاشارة الى الاستيطان و عدم قانونيته, و تناسى اعتداءات المستوطنين و تناسى الاحتلال القائم منذ اربعين عاماً, و تناسى السياسات العنصريةالتي تمارس بحق الشعب الفلسطيني و تناسى اصل الصراع و تشعباته و تجلياته و احتمالاته المستقبلية, و تناسى الدور الاوروبي- و خاصة تلك الدول التي انتقدت السياسات الاسرائيلية- في اقامة اسرائيل نفسها, البيان تناسى كل ذلك ليقول بكل عنجهية"اسرائيل تتمتع بنظام قضائي قادر على التعامل مع الجرائم على كل الصعد". هنا لا بد من التوقف حقيقة امام هذا الصلف و الغطرسة,ذلك أن الدول التي تتوقف عن قراءة مجريات الواقع انما تعكس بعضاً من الحالات التالية:
أولاً:هناك جماعات ظهرت و ما تزال تعتقد أنها أكثر أهمية أو قدسية من الدول التي اقامتها,فالدولة في نهاية الأمر مسألة زمنية,اما الجماعة فهي تمتلك ما هو فوق الزمن و التاريخ, ولهذا عادة ما تصطدم هذه الدول سريعاً بالواقع, لأنه لا يمكن لدولة ما ان تكون فوق الواقع أبداً,كل الجماعات التي اعتقدت ان كياناتها السياسية مجرد وسيلة لتحقيق"الرسالة الكبرى" دخلت مواجهات غير مضمونة أبداً, و دفعت ثمن هذا الادعاء غالياً. التأرجح بين الواقع و الايدلوجيا رأيناه دائماً و في كل فترات التاريخ على الاطلاق. و في اسرائيل فإن الخلاف على دور الدولة خلاف كبير و عميق,فهناك من يراها دولة المشيح الأخيرة و هناك من يقول انها دولة على الطريق إليه و هناك من يراها منفى آخر من منافي اليهود ليس إلا.لهذا السبب نحن نقرأ بيان الخارجية الاسرائيلية الذي يقول-بين أمور أخرى- أن ما يفعله الاحتلال بالفلسطينين يجب أن يكون مقبولاً.فالاستيطان-بنظر كاتب البيان- مسألة عادية و يجب أن لا تثير كل هذه الضجة أمام المهمات الكبرى المنوطة باسرائيل.
ثانياً: عندما تبدأ الدولة-كل دولة على الاطلاق-بصم اذنيها و اغلاق عينيها عما يحدث في العالم أو ما يجري حولها,استنامة للنصوص المقدسة و انتظاراً للنبؤات و التدخل الإلهي, فإنها عملياً تبدأ بالانكماش.هذا الانكماش يبدأ أولاً من البنى الفوقية لعقل النظام السياسي, اذ يبدأ هذا النظام بتدمير ما تم انجازه من قبل,فتمنع النقاشات و يقل الجدل و ينبذ المخالف أو المعارض و تبدأ سياسة التمييز حتى داخل القبيلة الواحدة. و في الحالة الاسرائيلية, فإننا نشهد تراجعاً حقيقياً عما أنجزه مؤسسو اسرائيل "الاشتراكيون العلمانيون", فهناك عودة عن الليبرالية-المدعاة أو الحقيقية- و هناك تهميش و تذويب للجمعانية القومية مقابل تعددية دينية. و هناك انهيار للأفكار ذات المفاهيم العالمية لصالح اجماع قومي جديد قائم على الأنكار و النبذ و الانعزال, و هناك توجهات فعلية إلى التخلي عن شكل اسرائيل كما عرفناه في الأعوام الثلاثين الأولى من عمرها لصالح اسرائيل أخرى أكثر عنفا و قمعا,ليس للفلسطينين فقط و انما لاطراف ضعيفة و مهمشة داخل المجتمع الاسرائيلي نفسه.ان هذا المنحنى الجديد في اسرائيل يترافق أيضاً مع تخلي اسرائيل عن كونها دولة رفاه, فالتعددية الدينية و الأثنية-التي تفترض نزوعاً توحيدياً اضطرارياً-يقابلها من جهة أخرى نزعة قوية نحو تعزيز التواجد و التأثير الأثني و الطائفي, و لهذا يعيش المجتمع الاسرائيلي اليوم حراكاً غير عادي, ما بين الرغبة في صهيونية مجمعة جديدة,يمينية و متطرفة,تنتظر المشيح أو تعمل على التسريع بمقدمه,و بين صهيونية تعتقد أنها حققت النبؤة.و تقدم اسرائيل في هذا المجال مثالاً ساطعاً على أن التاريخ لا يسير فقط بالعوامل المادية فقط, بل ان تلك العوامل الغامضة هي الأكثر تأثيراً و الأكثر حسماً في الاندفاع إلى كل الاتجاهات. ان النبؤة باعتبارها انتكاسة للتاريخ و افراغأ للجهد البشري فيه انما تلعب الدور الأكبر في عدم قراءة الواقع بتفاصيله الدقيقة, أو تلعب الدور الأكبر في قراءته بالوهم أو العين المغلقة أو الربط بين جزيئاته بطريقة عجيبة,لنأخذ اسرائيل مثلاً على ذلك, و لنشاهد ردود أفعالها الآن,اسرائيل-حسب البيان الصادر عن وزارة الخارجية الاسرائيلية- تعتقد انها تتمتع بجهاز قضائي قادر, و هو جهاز قضائي يفرق بين دم و دم و بين ثقافة و ثقافة و بين عرق و عرق, برأيي أن المسألة هنا برمتها لا تتعلق بالقدرة على كتابة بيان دبلوماسي, بل يتعدى ذلك إلى قراءة الواقع بطريقة أخرى متعلقة"بالدور" و " الهوية".
ثالثاُ:و لتفصيل ما ذكرته عن الدور و الهوية, أعتقد ان اسرائيل و بعد أكثر من ستين عامأ على اقامتها انما تتعدى"دورها" الذي اقيمت من أجله للوصول الى "هوية" الدولة و المجتمع, فإذا كان دورها هو دور مرتبط بالرؤية الاستعمارية كما تم ترسيمه في القرن التاسع عشر و تم تنفيذه في القرن العشرين,فإن اسرائيل اليوم تجد أن دورها يتعارض مع هويتها الثقافية,فهذه الهوية-بما فيها من خصوصية و مغزى و تاريخ- تتعارض مع الدور الذي يبقي اسرائيل عرضة لتأثير"الاغيار" و قوانينهم و ضغوطاتهم, اسرائيل اليوم تحاول أن تكون مستقلة بقرارها- رغم ان جزءاً كبيراً من ميزانيتها يأتي من الأغيار- و تحاول ان تستقل حتى بسياساتها الامنية رغم خطورة ذلك.اسرائيل اليوم تحاول أن تكون يهودية أكثر, و لهذا ستقبل ما يسمى بالانعزال أو ستقبل بالنقد و التجريح,لأن ذلك جزءاً من ضريبة التميز و التفرد, و اعتقد هنا انه كلما تقدمنا في الزمن فإن اسرائيل ستكون أكثر عنفاً في الرد على منتقديها, و ما بيان الخارجية الاسرائيلي انف الذكر سوى البداية.
رابعاً:أخيراً, عندما تقبل الدولة التطرف أو تغذية أو تستفيد منه او لا تحاول منعه و لا تقنن ذلك. فهذا يعني أن التطرف-بكل أشكاله و تجلياته- سيضرب في كل الانحاء و على كل الاصعدة. التطرف عادة ما يرتكز إلى أكثر مخاوف الجماعة و هواجسها,فيخرجه إلى العلن و من ثم يعمل على تشريعه و عدم الخجل منه و الافتخار به, و برأيي ان الغرب الاستعماري- ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي-قد دخل هذه المرحلة, و بصراحة أقول أن الاصوليات المتعددة- الدينية و الليبرالية- هي صناعة غربية ردت إليهم, و اسرائيل باعتبارها قلب هذا الغرب و احدى اللاعبين الاساسيين فيه لم تسلم من ذلك أبداً.
و قد كتب ايمانويل هيمان و هو كاتب يهودي فرنسي كتاباً في التسعينيات سماه " الاصولية اليهودية" قال فيه أن التطرف الديني اليهودي كان دائماً أحد الأسباب القوية لتدمير ما ينجزه اليهود.بهذا الصدد,فإن ما يفعله المستوطنون اليوم تجاه الفلسطينين بتواطؤ رسمي-و قضائي- يجب أن يضيء الف ضوء احمر أمام عقل النظام في اسرائيل.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



