مخزون العنصرية في إسرائيل.. إذ يفيض!
الكاتب: د. اسعد عبد الرحمن
تواجه الهوية الفلسطينية حربا لا تقل ضراوة عن الجهد القديم/ الجديد الاحلالي الاستعماري «الاستيطاني» الممارس إسرائيليا منذ تأسيس الكيان الصهيوني. فمؤخرا، طرح البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) مزيدا من القوانين العنصرية غير المسبوقة التي تستهدف فلسطينيي 48 ووجودهم، حيث تتنافس الأحزاب الصهيونية عبر طرح عديد القوانين العنصرية لإثبات من منهم هو الأقرب إلى وجهة النظر اليهودية المتطرفة سعيا لكسب «الشعبية» لدى الرأي العام الإسرائيلي المنزاح حاليا، وبقوة، نحو اليمين.
قد ضاقت إسرائيل الراهنة ذرعا باللغة العربية، وباتت لا تحتملها لغة رسمية بفلسطين مثلما عرفتها قوانين الانتداب البريطاني، حيث طرح مقترح قانون «إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي» الذي ينص على عدم الاعتراف بالعربية لغة رسمية بالدولة، مما يعني انحدارا خطيرا نحو العنصرية والفاشية وتهميش 1.4 مليون فلسطيني يشكلون قرابة 20% من مجمل سكان إسرائيل. ويهدف القانون المقترح إلى إلزام كل مواطن بالولاء والقسم بأن «إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، ومن يمتنع يكون عرضة للعقاب»، مع التشديد على أن «النظام الديمقراطي» بإسرائيل مرتبط بالديانة اليهودية. ويندرج مقترح القانون هذا ضمن إجراءات اتخذت لتهميش اللغة العربية كجزء من الهجمة على فلسطينيي 48 في محاولة إسرائيلية لسلب مواطنتهم وشطب هويتهم وتشويه تراثهم وتغييبهم عن المحيط والإقليم العربي وصولا إلى حظر التدريس باللغة العربية بمدارس فلسطيني 48. ومؤخرا، طرحت قوى اليمين الإسرائيلي المتطرف مشروع قانون إسكات صوت الأذان في المساجد, بحجة أنه يزعج المواطنين اليهود في البلدات القريبة، والذي حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) اقناع حزبه (الليكود) بالتصويت عليه. كما أصدر الكنيست مشروعاً يعنى بمعاقبة كل من لا يتجاوب مع رموز الدولة خاصة «النشيد القومي» في الجامعات.
هذه القوانين وغيرها مما فاض مخزونه فأصاب إسرائيليين آخرين من غير فلسطينيي 48، جعلت حتى الرئيس الإسرائيلي (شيمون بيريز) يوجه انتقادات شديدة إلى أعضاء الكنيست من أحزاب اليمين الذين بادروا إلى طرح مشروعات قوانين عنصرية ومعادية للديمقراطية، مشيرا إلى أنه «يخجل» من هذه القوانين، بل وصفها بأنها «مسيرة البلهاء تخرب صورتنا وحسب». وفي ظل هذا الفيض المتفاقم، لم تستطع وزيرة الخارجية الأميركية (هيلاري كلينتون) الاستمرار في التظاهر بالحيادية فأعربت عن خشيتها البالغة من سلسلة قوانين تستهدف ما أسمته «ركائز الديمقراطية في إسرائيل» (المتمثلة بالمحكمة العليا والصحافة ومنظمات حقوق الإنسان) الجاري تشريعها في الكنيست حاليا.
ومن أبرز المقالات الإسرائيلية الكاشفة مقال (جدعون ليفي) الذي أوضح فيه أن حربا ثقافية تدور في إسرائيل، مؤكدا أن ما يجري يستهدف قوى إسرائيلية ليبرالية متنورة أيضا. وأضاف: «ليس ما يجري في اسرائيل الآن مجرد قوانين عنصرية بل الحديث عن حرب ثقافية شاملة في مجالات عديدة لتغيير صورة الدولة. ان ما يجري الآن هو ح - ر - ب. ففي هذا الخريف نشبت حرب ثقافة في اسرائيل وهي تشتعل في جبهات أوسع وأعمق كثيرا مما يبدو للناظر». ويضيف: «الهجوم على النظام القائم شامل في جميع الجبهات وهو تسونامي سياسي وطوفان ثقافي وزلزال اجتماعي وديني نحن في أوله فقط. ان ادعاء أننا ديمقراطية غربية مستنيرة يُستبدل به بسرعة مخيفة واقع مختلف لدولة دينية وجاهلة وأصولية وعنصرية وقومية وظلامية». ويختم: «اليد القومية تسن القوانين المعادية للديمقراطية والفاشية الجديدة، واليد الحديدية تضعضع سلوك الفرد ومساواة المرأة، واليد العنصرية تعمل على مجابهة غير اليهود، واليد الاستيطانية تزيد في تعزيز قبضتها على اسرائيل في الداخل ايضا، ويد اخرى تقلب في التربية والثقافة والفن». ومن جهته، يقول (سلاي مريدور) السفير في الولايات المتحدة في 2006 - 2009: «موجة عكرة تهدد اسرائيل. قومية متطرفة ذلك لان محدثيها ليسوا أبطالا يمسكون نوازعهم بل سياسيون يشعلون نار المشاعر الدفينة للخوف والكراهية».
لأن العنصرية في إسرائيل مسألة بنيوية عميقة, فإنها، بعد أن ضربت فلسطينيي 48، فاضت أيضا على إسرائيليين يهود. فمع فشل الحكومة الإسرائيلية الحالية في الانتصار بأي معركة سياسية خارجية على صعيد المفاوضات، سارعت للبحث عن عدو داخلي أضعف فتحولت العنصرية التي تغمر إسرائيل اليوم إلى تيار مركزي معلن إذ بعد أن كانت ظاهرة شارع أصبحت تيارا مركزيا ممثلا بكنيست وحكومة ووزراء يقودهم رئيس وزراء (يرى إسرائيليون وغربيون متزايدون) أن أولويته تتلخص في الحفاظ على موقعه حتى لو تأذت المصالح الإستراتيجية الإسرائيلية وحتى لو ضرب السلام.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



