2012 .. عام سلام أم حرب؟
الكاتب: د.ناجي صادق شراب
هل يكون عام 2012 عاما حاسما ومفصليا ليس فقط في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ، بل على مستوى إعادة رسم الخريطة السياسية للنظام العربي؟ على الرغم من أن هذا االعام يبدأ بتحولات سياسية كبيرة على المستوى العربي بظهور أنظمة حكم جديدة تقوم على حكم الحركات السياسية الإسلامية، وعلى الرغم من إنهماك الولايات المتحدة بسنة الإنتخابات الرئاسية ، لكن يبقى السؤال: هل يمكن أن تتجه المنطقة إلى خيار الحرب، ام خيار السلام، وهل هناك امكانية الوصول إلى تسوية سياسية مع نهاية هذا العام؟ والسؤال بتحديد أكثر من يملأ فراغ السلام ؟ هل هم الفلسطينيون أم ألإسرائيليون ، أم الدول العربية، أم الولايات المتحدة أو اللجنة الرباعية للحيلولة دون ملء الفراغ بحالة جديدة من الصراع الذي قد تنتهي بحرب إقليمية جديدة تعيد توازنات القوى إلى مسارات جديدة؟
سأعود بالذاكرة قليلا إلى الوراء وتحديدا إلى حديقة البيت الأبيض عام 1996 عندما صافح الرئيس عرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين بحضور الرئيس الأمريكي وبحضور الرئيس المصري والملك الأردني وقتها إلى جانب عدد كبير من المسؤولين ، وهي المصافحة التاريخية التي جعلت من حلم السلام أمرا قابلا للتحقيق ووضع حد لصراع دموي راح ضحيته مئات الآلآف من الضحايا في عدد من الحروب التي أنفقت عليها مئات المليارات من الدولارات التي لو أنفق جزء بسيط منها لحققت الإزدهار والرفاه لجميع شعوب المنطقة، ولكنها عقلية القوة والحرب والتشدد. لقد فتحت تلك المصافحة أبوابا واسعة أمام الأمل في السلام، ووقتها لم يتصور احد أن بعد هذه المصافحة يمكن أن تفشل كل المحاولات اللاحقة، وتفشل كل جلسات المفاوضات التي قد أصطدمت أمام الرغبة في التوسع وعدم الإعتراف بحق الفلسطينيين كشعب في قيام دولتهم لتمارس دورها في عملية البناء والتنمية وإعادة مدركات الصراع والحرب وإستبدالها بمدركات السلام والتعايش . والأن وبعد أكثر من سبعة عشر عاما تلاشت وتبخرت فيها هذه المصافحة التاريخية لتصل المفاوضات إلى طريق مسدود، وتصطدم أمام إستمرار إسرائيل في عمليات البناء الإستيطاني على الأراضي الفلسطينية لتجهض أي إمكانية لقيام الدولة الفلسطينية أو حل الدولتين، وبدون قيام الدولة الفلسطينية لا يمكن تصور أي حل في المنظور القريب أو حتى البعيد. والسؤال الذي يبعث القلق بل والخوف على كافة الصعد والمستويات إذا لم يكن هناك سلام، فماذا يمكن أن يكون؟ ومن الذي سيملأ الفراغ الذي قد ينجم عن ذلك؟ الولايات المتحدة غير قادرة بل وقد تكون غير راغبة في مل الفراغ لإنشغالها في إنتخابات الرئاسة التي تعطي الأولوية على أي أولوية أخرى حتى لو كان السلام أو الحرب في المنطقة، وقد رأينا ذلك في تصريحات الرئيس أوباما نفسه الذي ذهب بعيدا في تقديم نفسه على أنه الأكثر إلتزاما بامن إسرائيل وتفوقها، وذهب المرشح الجمهوري جينجريتش إلى درجة بعيده في عنصريته عندما وصف الشعب الفلسطيني عن جهل بأنه شعب تم إختراعه ، وإسرائيل بحكومتها اليمينية المتشددة تتجه نحو مزيد من اليمينية والتطرف الإستيطاني الذي ذهب أيضا بعيدا في حرق المساجد والتعدي على السكان الفلسطينيين ليزيدوا من حدة الكراهية وعدم الرغبة في أي شكل من أشكال التعايش، وحتى مع أي إنتخابات جديده فالإحتمالات كبيرة أمام تنامي قوى اليمين المتشددة والمتطرفة، وهذا يعني لا مجال لإمكانية نهوض قوى السلام من جديد. وعلى الجانب العربي ، فالثورات العربية التي تنتشر في عدد من الدول العربية كمصر وسوريا وتونس والمغرب واليمن ، قد أدت إلى تحولات وتغيرات في بيئة أنظمة الحكم بفوز القوى والحركات الإسلامية في الإنتخابات التشريعية وزيادة إحتمالات تشكيلها لحكوماتها، وإلى جانب ذلك هذه الدول في حاجة إلى وقت طويل للدخول في مرحلة من الإستقرار السياسي والإقتصادي ، وتنتظرها مشاكل وتحديات داخلية كبيرة تجعل دورها أصعب بكثير من ذى قبل، وتجعلها أقراب إلى نموذج الفوضى الخلاقة الذي قد يدفع في إتجاه التحول نحو الحرب والخيارات العسكرية التي قد توفر لها مرجعية تستند عليها في الإستمرار في الحكم تحت ذريعة المقاومة وإحياء مفهوم العدو الإسرائيلي والصهيوني من جديد.
وعلى الجانب الفلسطيني الوضع ليس بأفضل حالا، فهناك تراجع وضعف السلطة بسبب تراجع وفشل خيار المفاوضات والسلام الذي تبنته كخيار إستراتيجي، فالمجتمع الفلسطيني يتجه نحو مزيد من التشدد والرفض مع زيادة دور القوى والتنظيمات المقاومة والتي قد تنوعت ولم تعد تقتصر على حركتي «حماس» و«الجهاد».
إذن المشهد العام للمنطقة يكشف عن تحولات تدفع المنطقة نحو مزيد من القوة ، والمواجهة العسكرية وخصوصا مع تزايد التحديات وفرص المواجهة مع إيران كقوة إقليمية تسير نحو إمتلاك القدرات النووية التي من شأنها أن تغير من قواعد وممارسة لعبة موازين القوى التي حكمت إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة التي تعتبر من أهم مناطق العالم إقتصاديا وإستراتيجيا . وهذه المرة فان المواجهة لن تكون سهلة، بل ستكون أشد دموية، وأشد ضراوة وحدة ، لأنه لم يعد هناك مجال للسكين والحجر، بل إن سنوات الفشل في عملية السلام والمفاوضات زادت من قدرات المقاومة من ناحية ، ومن ناحيتها إسرائيل طورت من قدراتها العسكرية وزيادة ميزانيات وزارة دفاعاتها .
وإذا ما دخلت المنطقة هذه المرة حالة حرب وصراع جديده لن تخرج منها في وقت قصير، بل قد تمتد لعقود طويلة تسودها درجات عالية من الكراهية والحقد والثأر ، والرغبة في التدميرالتي لن ينجو منها أحد. كل هذا يؤكد لنا عدم ضياع فرصة السلام الأخيرة ، والعمل على ملء فراغ السلام بدلا من ملئه بقوى الحرب والصراع. إنه عام الحسم فإذا لم يتم التوصل في ظل المعطيات والقوى التي يمكن أن تذهب للسلام ، فسيكون عام 2012 عام حرب وليس عام سلام.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



