العجز المالي بين الالتزام الاخلاقي للسلطة وحماس
الكاتب: توفيق نصار
نصحني أصدقائي ان لا اكتب في هذا الموضوع، لأنه يقع في دائرة المحرمات، والكلام فيه يتجاوز الخطوط الحمر. ولكن الحديث كثر عن العجز المالي للحكومة من جانب والتزامها الآخلاقي اتجاه قطاع غزة وأهله الذين يعانون، كما وكثر الحديث عن محاولات الحكومة تغطية هذا العجز بجباية مزيد من الضرائب من المواطن الفلسطيني في الضفة. وبالنسبة لي وللغالبية الساحقة من المواطنين القاطنين في الضفة الغربية فان هذا الأمر يعتبر مقبولا لو كان حقيقة يصب في خانة دعم اهلنا في القطاع ويشد من أزرهم ويقربنا من المصالحة. ولكن ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع الحساس هو قناعتي بأن هذا الانفاق يصب في مصلحة حركة حماس ويزيد من تعنتها وتعاملها الديكتاتوري مع أهلنا في القطاع وتهجمها على السلطة، ويبعدنا عن المصالحة سنين ضوئية. ومن اجل نقاش الموضوع بشمولية فسوف أناقش الموضوع من جانبين: الجانب الأول هو الجباية و قدرة المواطن في الضفة على الاستمرار بتحمل هذا العبء الضريبي، والجانب الثاني هو المصروفات بشكل عام والصرف على قطاع غزة ومدى استفادة اهلنا في القطاع من الاستمرار في هذه السياسة.
أولا: الجباية:
ان السواد الأعظم من ايرادات الحكومة هو من الضرائب غير المباشرة مثل ضريبة القيمة المضافة، والضريبة على المحروقات والتبغ والجمارك، ومن المعروف عالميا بأن هذا النوع من الضرائب يؤثر أكثر بكثير على الأقل دخلا وعلى الفقراء، كونه يشكل (كنسبة من الانفاق) نسبة أعلى عند الفقراء من الأغنياء، كون دخل الفقراء يصرف على المواد الأساسية. إذن فإن فاتورة الجباية تقع على عاتق المواطن البسيط في الضفة الغربية وليس على عاتق الاغنياء. وحتى بعض الضرائب المباشرة مثل ضريبة الاملاك وضريبة الحرف يضيفها التاجر والمصنع على التكلفة ويعكسها على سعر المستهلك. أما ضريبة الدخل فهي لا تمثل أكثر من 10% من ايرادات الحكومة ورفعها بحيث أصبحت 30% في شريحتها العليا لن يغير من الأمر كثيرا بل سيضيف القطاع الخاص الى قائمة الحاتقين على الحكومة وممارساتها. وفي هذا الجانب لعبت الحكومة لعبة الثلاث ورقات بحيث مررت قانون ضريبة الدخل عند الرئيس بشرائحه القديمة وأعطت لنفسها صلاحية التعديل على القانون دون الرجوع لأحد، وقامت بالتعديل عليه دون الرجوع لأحد. وهي بذلك ساهمت مرة اخرى بخطوة جديدة نحو مجتمع ديكتاتوري.
وبالرغم من زيادة التحصيل ووصوله لأرقام غير مسبوقة الا أن العجز المالي المتواصل في ميزانية الحكومة، جعلها تتفنن في فرض الضرائب وطرق جبايتها. فالبيانات الجمركية يتم اعادة تقييمها، وضريبة القيمة المضافة (بالفصيلة)، وضريبة الأملاك في ارتفاع، وان صح القول بان السلطة سترفع رسوم ترخيص السيارات، وضريبة تسجيل الأراضي، فإن هذا يبشر بارتفاع تكلفة المواصلات وتكلفة الشقق السكنية، وبالتالي يكون قد تم احكام الخناق على متوسطي ومتدني الدخل من سكان الضفة الغربية.
إن الحكومة وبالرغم من تأكيداتها بأنها تعمل على زيادة الجباية بتوسيع قاعدتها، الا ان الواقع يثبت عكس ذلك، فإعادة تقييم بيان جمركي واحد، أسهل وأفضل لموظف الجمارك من إضافة عشرين مكلفا جديدا. كما أن زيادة الجباية من الجمارك، أو من ضريبة القيمة المضافة، هو بالأساس زيادة الجباية من المستهلك النهائي وهو المواطن البسيط.
في النتيجة فإن زيادة الجباية في الضفة الغربية هي سياسة ممنهجة للإفقار يتأثر بها متدني ومتوسطي الدخل بشكل كبير، وهذا امر لا يستطيع المواطن أن يتحمله. فإذا أرادت الحكومة ان تاخذ من الغني وتدعم الفقير، فعليها الغاء أو تخفيض الضرائب غير المباشرة على السلع الأساسية كالخبز والحليب والأرز والكاز وملابس الأطفال وغيرها . وزيادتها على السيارات الفاخرة، والتلفزيونات الكبيرة، والثلاجات ذات السعة العالية ...الخ. وليس زيادة ضريبة الدخل، لأن هذا يفتح الباب لمزيد من التهرب الضريبي.
ثانيا: المصروفات
تعاني الحكومة من عجز مالي مزمن، فمصادر الدخل لا تكفي لتغطية جوانب الإنفاق، وما يتوقعه المواطن من الحكومة هو تخفيض الانفاق بدلا من زيادته، وما يتوقعه المواطن في الضفة الغربية هو ان تقوم الحكومة بانفاق ما تجمعه منه على خدمات تقدم له. والمتتبع للأمور يدرك تماما الخلل الكبير في مناحي الصرف، فالحكومة مضطرة للصرف على كم هائل من الموظفين، وعدد ضخم من السيارات، ومقرات ومبان كثيرة، وميزانية مهولة للأمن.
إضافة الى ذلك فإن المصاريف توزع جغرافيا بشكل غير متناسق وهي حسب تصريحات وزارة المالية، 47% نصرف على قطاع غزة، وحوالي 7% على الشتات، ونسبة قريبة منها على القدس، مما يترك للضفة الغربية حوالي 40% من الانفاق. وهذا منتهى الظلم، بان يكون أكثر من 97% من الجباية من الضفة الغربية بينما لا يتجاوز الصرف عليها ال 40%. والأدهى والأمر بأن الحكومة ولتغطية العجز المالي تتوجه للمواطن في الضفة الغربية لتجبي منه المزيد، ودون تقديم أية خدمات إضافية.
والسؤال المطروح: هل السبعة مليار دولار التي صرفتها الحكومة الفلسطينية على قطاع غزة منذ الانقلاب قربتنا من المصالحة شبرا واحدا، اوليس الأولى أن تقوم السلطة الحاكمة بقطاع غزة بالصرف على خدمات مواطنيها. ما يحدث في قطاع غزة مثير وغريب جدا فبدل أن تشكر حماس الحكومة الفلسطينية في رام الله، وتقترب منها للمصالحة، فإنها تمنع القيادات الوطنية من الدخول الى القطاع، ويطالب رئيس وزرائها المقال في التحقيق في مناحي صرف 30 مليون دولار صادرتها مصر من قيادات حماس وحولتها الجامعة العربية للحكومة في رام الله. ويصرخ وزير صحتها بأن لا ادوية في المستشفيات ولا سولار في المستودعات، فيما يصرخ مدير كهربتها بأن الحكومة في رام الله تأخرت في دفع فاتورة الكهرباء ...الخ. والسؤال الثاني المطروح: اين تذهب حركة حماس بما تجبيه على المعابر ومن الأنفاق؟ أليس من الأولى أن يصرف هذا الدخل على سكان القطاع؟ ماذا لو توقفت الحكومة في رام الله عن الصرف على قطاع غزة، ووضعت السلطة الحاكمة هناك امام مسؤولياتها؟ ألن يضع هذا السلطة الحاكمة في غزة امام خيارين لا ثالث لهما؟ فإما الانهيار واما المصالحة؟ إن الاستمرار في هذا النهج أدى ولا يزال الى تقوية حماس وزاد من عنجهيتها، وجعلها في غير عجلة من أمرها لاتمام المصالحة.
وفي كل الأحوال إن الاستمرار بسياسة الضغط المالي على المواطن الفلسطيني في الضفة الغربية، لن يؤدي الا لمزيد من الحنق وحتى الحقد على الحكومة، ويجعل المواطن بانتظار الفرصة ليعاقبها على ضغطها المالي عليه، وقد يكون بالتصويت لحماس مرة أخرى.
لقد آن الآوان لأن تقوم القيادة السياسية للسلطة، ولمنظمة التحرير بالضغط على الحكومة لإعادة صياغة سياساتها المالية من جباية وصرف قبل حدوث الأسوأ. فالزمن لا يرحم والشعب لن يرحم.



