الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:37 AM
الظهر 12:43 PM
العصر 4:23 PM
المغرب 7:27 PM
العشاء 8:49 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الهروب إلى الخلف... أزمة الجامعات وسياسات إنفاق الحكومة

الكاتب: ايهاب الجريري

مدير البرامج والأخبار والهندسة
إذاعة راية اف ام - شركة راية للإعلام والنشر


إنه لمن المحزن أن تبقى أزمة أقساط الجامعات الفلسطينية كما هي، منذ العام 93 أي منذ إنشاء السلطة وهي إشكالية تبرز تقريبا بداية كل فصل. ما الذي تقوم به الجهات المعنية، سوى تمرير إبر التخدير من فصل لآخر، ومن ترقيع إلى آخر، وكأن الأزمة، لا يمكن نقاشها إلا عند انفجارها، والكل يعرف، ابتداء من وزارة التربية والتعليم، مرورا بإدارات الجامعات، والحركة الطلابية الفلسطينية، بأن الأزمة قادمة. صحيح، أن عوامل عدة تساهم في تأجيج الأزمة وطريقة علاجها، لا سيما عادة التحضير للإنتخابات الطلابيبة في بعض الجامعات، إلا أن هذه الأزمات ليست أزمات مفتلعة، كونها نتاج طبيعي لمفهوم الحق في التعليم.

إن التناقض الجوهري القائم في هذه القضية أن في هذا الوطن هناك ما يبقى في دائرة البين بين، فمثلا، الجامعات الفلسطينية بغالبيتها الساحقة تعتبر جامعات وطنية، أي بين الخاصة والعامة، ولذلك، تستفيد تلك الجامعات من دعم متفاوت يقدم لها من قبل جهات عدة، عربية وغربية اوروبية غالبا، كما تقدم وزارة التربية والتعليم بعضا من الدعم الخجول لها. ان كل ذلك الدعم يقدم للجامعات كونها ليست جامعات "ربحية" وبالتالي فإن كل ما يقدم لها يقدم بالأساس لدعم التعليم العالي في فلسطين، وبالتحديد لتمكين الجامعات من أداء أفضل في عملية التعليم العالي، ولإسناد تلك الجامعات لاستقبال أعداد أكبر من الطلبة. وبالتالي تحقيق مفهوم التعليم العالي حق للجميع.

نعرف جميعا، بأن تكلفة التعليم العالي في فلسطين أعلى من ايرادات التعليم العالي نفسه، وهذه اسطوانة حفظناها عن ظهر قلب، وبالتالي فإن سردها لم يعد يجدي نفعا، لأننا جميعا مقتنعون بذلك، والخلاف ليس جوهريا حول هذه النقطة تحديدا، وبالتالي فإن المطلوب اكثر من سرد حجم العجز في ميزانيات التعليم العالي، هو البحث عن آليات حقيقية لحل جذري لهذا التأزم الممل في بداية كل فصل. لطالما وضعت الوزارات خططها الاستراتيجية لبناء مؤسسات الدولة، فهل كانت هذه الأزمة جزءاً من تلك الخطط؟ طبعا، سيأتي الجواب عاما ومبهما وفضفاضا، فالموضوع قيد البحث على طاولة مجلس التعليم العالي، الذي بالكاد يجتمع لحل اشكاليات الإضرابات والمطالبة بمزيد من الميزانيات، وذلك بعد أن تكون الأزمة قد انفجرت في وجه الجميع.

أما وقد باتت هذه الأزمة مستفحلة، لدرجة اننا أدمنا عليها، وباتت أخبارها مكررة ومعتادة ومحفوظة عن ظهر قلب، فإن المسؤولية تعني وضع خطة وطنية شاملة للخروج من مأزق الأقساط الجامعية، فإما أن يقال علنا بأن التعليم في فلسطين للأغنياء فقط، وبناء عليه تستطيع كل الأطراف أخذ الموقف المناسب فيه حينه وبناء عليه، أو أن يقال بأن التعليم العالي في فلسطين حق للجميع، وبالتالي تطبيق هذه الرؤية بالفعل وليس من خلال الخطابات فقط. علينا ليس فقط الإجابة على سؤال من الذي يحق له التعليم العالي في فلسطين، بل على كل الأطراف ان تقف عند مسؤولياتها في هذا الإطار، وبالتالي، ان يشارك الجميع بوضع تلك الرؤية، طالما أن الأطراف كلها لها ما تقوله، سواء في تلك الرؤية، أو في أي أزمة مقبلة.

صادق المجلس التشريعي على قانون الصندوق الوطني للتعليم العالي، في بدايات عمله، ولعله من القوانين القليلة جدا التي ناقشها المجلس وصادق عليها، أي يكاد يكون من اعمال المجلس انتاجات المجلس التشريعي النادرة قبل الإنقسام، ولم تحرك الحكومة ساكنا لتفعيل هذا الصندوق، الذي من شأنه تحقيق عدالة التعليم في فلسطين، بدل أن يبقى التعليم أبرز أدوات إعادة إنتاج الفقر في فلسطين. لماذا لا تعمل الحكومة على تفعيل قانون الصندوق الوطني للتعليم العالي؟ لماذا لا يشارك القطاع الخاص في دعم مثل هذا الصندوق؟ لماذا لا يتم توجيه مساعدات التعليم نحو هذا الصندوق؟ ألم نستثمر فيما هب ودب، ألم نقم مشاريعا في مختلف أنحاء العالم باسم الشعب الفلسطيني، لماذا لا نستثمر في هذا الصندوق، ولماذا لا تكن له هيئة إدارية مهنية ومستقلة تقوم باستثمار إيراداته؟ إن إهم ما في هذا القانون أكبر دليل على أن الحكومة تغرد منفردة، والغريب، أن قلة من أعضاء التشريعي الذين صوتوا بغالبيتهم الساحقة على هذا القانون، طالبوا بتفعيله. وطبعا كانت المطالبات في إطار المزاودات السياسية في غالب الأحيان. إن من مصلحة الجامعات ومن مصلحة الطلبة بنفس الأهمية، تفعيل قانون الصندوق الوطني للتعليم العالي، والغريب أن لا مجالس الجامعات ولا الحركة الطلابية موحدة، عملوا معا على مصلحة مشتركة كهذه.

إن تحقيق عدالة التعليم، ومنح الفئات الأكثر فقرا وتهميشا فرصا أكبر للخروج من الفقر، تبدأ من التعليم ويتم تأصليها في التعليم العالي، إن كسر دائرة إعادة إنتاج الفقر في فلسطين يعني، إعادة توزيع عادل للميزانية السنوية للحكومة، والتي تغيرت بنسب ضئيلة منذ سنوات، دون تحقيق أدنى مستويات من العدالة يمكن من خلالها البدء في عملية إعادة توزيع الموارد لصالح الفئات الأكثر فقرا وتهميشا. إن مرورا سريعا على إجمالي النفقات في العام 2011 حتى كانون أول 2011 وفقا لموقع وزارة المالية الفلسطينية، يشير إلى توجهات أقل ما يمكن تسميتها بأنها سياسات تفقير وإعاشة لا أكثر ولا أقل، أي أن الحكومة تحاول الحفاظ على المواطنين في مستوى العيش لا أكثر.

أنفقت الحكومة حتى كانون أول من العام 2011( 3,778,599 ألف شيقل) على ما يسمى الأمن والنظام، منها (3,307,939 ألف شيقل على وزارة الداخلية والأمن، في حين لم ينفق على وزارة العدل أكثر من (44,246 ألف شيقل، ولم ينفق على مجلس القضاء الأعلى أكثر من 78,316 ألف شيقل) ونحن نعلم جيدا، أن ما يمكن أن يساهم في حفظ الأمن الداخلي والسلم الأهلي هو القضاء لا أجهزة الأمن. لكن تشير هذه النسب بوضوح إلى توجهات الحكومة الأمنية في مجال الأمن والأمان، لا إلى توجهات قانونية وبنيوية. صحيح أن تطوير أداء الشرطة الفلسطينية بمختلف أقسامها كان لافتا في السنوات الثلاث الأخيرة، إلى أن ذلك لا يمكن قياسه على بقية الأجهزة. في حين أنفقت الحكومة على بند ما يسمى بالخدمات الإجتماعية حتى كانون أول من العام 2011 (4,851,464 ألف شيقل) بما يتضمن وزارة التربية والتعليم بما مجموعه (2,179,462 ألف شيقل) ووزارة الصحة بما مجموعه (1,226,993 ألف شيقل) ووزارة الشؤون الإجتماعية ما مجموعه (1,034,493 الف شيقل) ولو قمنا بجمع ما أنفقته الحكومة على التعليم والصحة حتى كانون أول 2011 فإنه لم يتجاوز (3,406,455 ألف شيقل) وهو الذي يعني أننا ننفق على التعليم والصحة في فلسطين مجتمعين ما ننفقه على الأمن، ويبقى ذلك وفق الأرقام الرسمية، أو على الأقل المعلنة، غير تلك التي لا يتم نشرها في إطار الميزانيات. إن كل ذلك يدل، على أنه لا توجد إرادة سياسية لتحسين حياة الناس، او من أجل تطوير التعليم كي يصبح الأداة الأولى في إنصاف الفئات الأكثر فقرا وتهميشا، ومنحهم فرصا حقيقة للخروج من الفقر. إن شبكة الضمان الإجتماعية المتمثلة بالتعليم والصحة تترنح امام توجهات الحكومة، في ظل ارتفاع متسمر في الأسعار، وفي ظل رفع مستمر للضرائب، وفي ظل استمرار جمود الأفق أمام انتعاش اقتصادي.

ما الذي تفعله الحكومة في ظل هذه الأزمة، سوى البحث من جديد عن حل تخديري يؤجل الأزمة إلى فصل دراسي جديد، وما الذي تفعله مجالس ادارة الجامعات، سوى محاولة دفع العجلة بكل ما أصابها من انسكارات.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...