الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:38 AM
الظهر 12:43 PM
العصر 4:22 PM
المغرب 7:26 PM
العشاء 8:48 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

إعادة بناء البلد..

الكاتب: د. عادل سماره

راية نيوز: يصعب على امرىءِ في الأرض المحتلة ان يشرح لآخر منها عن الاستعمار. فالجميع يحمل ذاكرة زاخرة بالتجربة الحسية وتراكم المعلومة عن الاستعمار، بل عن اقسى نماذج الاستعمار، اي الاستعمار الاستيطاني. فهذا بلد لم يعش، في العصر الحديث على الأقل، إلا تحت تعدد استعماري سواء كان تعدداً تزامنياً أم تتابعياً .

ولكن يغدو الأمر شائكاً أكثر عند الانتقال إلى تعريف ما بعد الاستعمار لأن ذلك البلد، الأرض المحتلة، لم يعبر تلك المرحلة، ولو افتراضياً شأن الكثير من المستعمرات السابقة التي حصلت على الاستقلال السياسي/الشكلي غالباً، ولا يوجد من يزعم أن الأرض المحتلة ليست محتلة إلا دُعاة العرب إلى التطبيع! أما المفارقة فتكمن في تفشي ظاهرة أكثر تعقيداً وهي ممارسة عملية مختلفة خلافية هي "استدعاء الاستعمار" سواء بالتخارج الثقافي أو الارتباط الاقتصادي...الخ.

ولكن، لماذا تتوفر مناخات رخوة تؤدي لاستدعاء الاستعمار/ات؟ لعل الممكن في حالتنا إجابة مقتضبة، وهي أن الآخر نجح في زرع استدخال الهزيمة في قطاعات كبيرة من النخب السياسية والثقافية ومنها نخب اقتصادية التي قادتها مصالحها بالطبع. .

يعود الفضل إلى الكاتب الجزائري مالك بن نبي الذي قال ان المجتمع الإسلامي طرح مشكلة الاستعمار وأهمل مشكلة القابلية للاستعمار. وهو يقصد بالطبع المجتمع العربي اساساً.

والحقيقة أن معالجة القابلية للاستعمار واستدعائه أهم من عملية الاستعمار نفسه. فالاستعمار نفسه حالة عدوانية اتخذت شكل تحفيز مصلحي تبلور في اندفاعة قوة عسكرية لتصريف نتاج القوة الاقتصادية الزائدة عن الحاجة في الدولة القومية لأوروبا الغربية، علماً بان المصلحة الاقتصادية هي الدافع الرئيس وليست القومية أو الثقافة او الدين...الخ كعوامل مساعدة.

شاب الحالة الفلسطينية التباس معين بحصول التسوية مما أدى إلى ضياع الدليل كالاعتقاد بأن الاحتلال قد ولى مما فتح الطريق نحو خلخلة في القيم ومن ثم انتهاك القيم وخاصة الموقف منه كاستعمار استيطاني.

وإذا كان تخلخل الرموزية من سمات هذه المرحلة، كما ورد في الحلقة السابقة، فإن تخلخل القيم وتكسيرها والمروق عليها، من الجماعة أو الفرد، يلعب بدوره دوراً مشابهاً ومكملاً لسقوط الرموزية. وهذه وغيرها تعبِّد الطريق/الطرق لتناسي وجود الاحتلال وهو الأمر الذي يسمح للكثيرين بتبرير استدعائهم لأنماط جديدة من الاستعمار.

من الأشكال الأخرى للاستعمار، الاستعمار بالتمويل الرسمي الأجنبي الذي خلق شريحة مستفيدة مادياً من المانحين، والمؤسسات الثقافية الأجنبية (الدولتية-من دولة)، ومنظمات الأنجزة حتى حركات سياسية محلية، ومؤسسات الخطاب الثقافي الغربي-الراسمالي وكذلك المؤسسات التنموية الأجنبية بما تحمله من فكرة وتأسيس لا تنموي...كل هذه أنماط من الاستعمار الذي يتم الترويج له واستدعائه.

وحيث يتم استدعاؤه، يصبح المستعمِر في مركز قوي بحيث يقرر يختار لخدمته من يريد وبشروطه هو. وهذا يفتح على مسألة الاستدعاء إلى الضفة الأخرى إعلاء الاستدعاء والاستدعاء على الاستدعاء، وذلك بقيام الدول والمؤسسات الأجنبية بدعوة الكثيرين من مثقفي وأكاديميي الأرض المحتلة، إلى مؤسساتها وجامعاتها ومسارحها للشغل عليهم بطريقتهم.

ورغم أن الغرب في موقع قوي، إلا أنه حريص على تقديم التعليم لأبنائه مجاناً أو بكلف زهيدة حماية ثقافية لهم، وحين يرسلهم لإجراء دراسات عن بلداننا مثلا، يرسلهم على حسابه! هذه حماية العقل القومي والثقافة القومية وتوظيفها بالطبع. مثلاً، بين عشرة طلبة ماجستير في كلية بيرك بيك بجامعة لندن كنت أدفع رسوماً بقدر ما يدفعه التسعة طلبة الإنجليز مجتمعين.

في مناخ الاستدعاء هذا، يصبح مصير البلد نهباً للأهواء الجهوية وحتى الفردية.

كما أن حصول استدعاء الاستعمار من البعض، وغياب الاحتجاج والنقد ضد ذلك، بل وحتى غض الطرف او القبول المباشر أو اللامباشر، يفتح على قراءة التجربة مع الاحتلال نفسه، بمعنى أن تجربتنا مع الاحتلال كانت رياضة لترويض البلد على قبول الاستعمار، بما فيه الاحتلال! وهذا حال عجيب، لأن الأصل والمآل المنطقي هو تكريس رفض الاستعمار بأنواعه ومستوياته ومقاومته بالطبع.

الأصل في الموقف من اي استعمار هو المقاومة التي تتكيف طبقاً لطبيعة الاستعمار نفسه، فالاستعمار الثقافي مثلاً، لا يُقاوم بالبندقية، وإنما بالفكر والاحتجاج والتثقيف الشعبي لمواجهة إعادة التثقيف أو الحطَّ- من- التثقيف. بينما استدعاء الاستعمار والاستدعاء على الاستدعاء يعني توطين الاستعمار في الذات الفردية والجمعية. وهذا موقف جوهره استدخال الهزيمة الذي لا يصل إليه شخص أو جماعة إلا إذا تمكنت منه قناعة الدونية الذاتية وقناعة فوقيةِ وعُلُو المستعمِر.

توطين الاستعمار في الذات عبر استدخال الهزيمة، يعني فقدان الوطن، يعني تحويل الوطن من وطن بمعنى المحتوى أو الوعاء التاريخي والمعيشي والحضاري بالعموم إلى مكان عابر وحين يتحول الوطن إلى مكان، يصبح سوقاً يحكمه العرض والطلب. ومن هنا تحذلق البعض بتخريج صور من طراز: الوطن الذاكرة، الوطن الرمزي، وطن الغياب، غياب الوطن، الوطن الافتراضي...الخ وجميعها تسهيلات وتساهلات للإقرار بوجود شرعي للاحتلال.

ويقود استدخال الهزيمة والاستدعاء والاستدعاء على الاستدعاء إلى تفاقم مرَضيٍّ متمثلاً في تخيُّل المرء أنه حيث اقترب من مكان المستعمِر أو العلاقة به، أو قراءة ثقافته أو إتقان لغته بأن هذا إذا كان ارتفاع في المكان كأنما هو ارتفاع في المكانةِ !

يختلف الناس في تحديد دوافع اية قضية وذلك على الأقل ضمن مدرستين تاريخانيتين: مدرسة التحليل المادي التاريخي بمعنى أن العوامل المادية (لا الاقتصادية المبتذلة) هي التي تؤثر أولاً. ومدرسة الفهم المثالي الذي يُسبِّق الوعي على الحضور المادي. وكاتب هذه السطور مع المدرسة الأولى.

ولنأخذ المثال التالي، حيث أقام البعض منذ عام 1968 مشاريع التعاقد من الباطن بين فلسطينيين وراس المال الإسرائيلي فهل اقيم هذا على غير أرضية المصلحة الضيقة؟ هي مصالح طبقة بالعموم، ولكنها تتجسد في أفراد أو شريحة، مما يعني احتمال حتى التصارع داخل الطبقة/الشريحة ايضاً. المهم انه لا يمكن قراءة هذه العلاقة خارج المصالح المادية والتوافق مع الاستعمار القائم واستدعائه لمشاريع مشتركة تُديم وجوده!.

هناك بالطبع المسار الثقافي في الاستدعاء، وهذا اكثر خبثاً وقد يفشل الرادار النقدي في اكتشافه، إنما لا يفشل الرادار الشعبي ولو بعد حين. كثيرة بالطبع دوافع الاستدعاء، ولا نطرح هنا الاستدعاء السياسي من قبل الأنظمة السياسية التي يحميها الاستعمار لأنه أكثر من واضح.

ما العمل

ليس الكاتب طبيباً بقدر ما هو حالة نقدية انتقادية اساساً. وكلما أمعن الكاتب في وصف العلاج، كلما تحول إلى شيخ والناس مريدين وهذا ما يحصر الناس في الشيخ اي لا يستفز عقولهم، لا يتحداهم. وطالما أن الخلل آتٍ من مصادر عديدة، فلا يمكن أن يكون العلاج إلا جماعياً. إنما لا يمنع هذا من مقترحات يقدمها الكاتب وليس شرطاً أن يفعل.

كمدخل للعلاج، هو النقد أولاً، هو التشريح المشتبك الذي قد يصل إلى إلحاق جراح بمن فعلوا! أما المسرح العام لما العمل فهو على الأقل في نطاقين:

• ثقافة الانسحاب إلى الداخل تقييما ونقدا وصولا إلى تبني مشروع التنمية الحماية الشعبية وهي تنمية في مختلف مستويات الحياة.

• وفرز الطبقات الشعبية لحركة تمثلها. فلا اضيع من طبقة/ات لا ممثلين لها. هي حركة تعمل جماعياً بتوجيه ورقابة الناس. هنا يصبح كل مواطن محط مسائلة من ممثلي البلد: اين أنت، كيف تعاقدت، لما انخرطت،....

وكل هذا يأخذ وقتاً، فقد اخذ الخراب اوقاتاً فلا تستعجلوا جداً.

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...