القرار الاسرائيلي الجديد...وجه جديد لسياسة قائمة
الكاتب: رزق شقير
راية نيوز: أثار وما زال الامر الاسرائيلي رقم ١٦٥٠ بشأن «منع التسلل» ردود فعل جماهيرية ودبلوماسية لما ينطوي عليه في حال تنفيذه من ابعاد عشرات آلاف الفلسطينيين المتواجدين في الضفة الغربية من غير المقيمين فيها او حاملي إذن بالاقامة فيها ساري المفعول. وهو ما سيحدث تفككاً في النسيج الاجتماعي الفلسطيني بسبب تشتيت العائلات الفلسطينية التي تربطها قرابة من الدرجة الاولى.
وقد ارتأينا التريث في التعليق حول الامر المذكور الى حين الحصول على النص الكامل له، لتكون كتابتنا موضوعية لا تتأثر بصخب وسائل الاعلام او انفعال الرأي العام او اندفاع الشارع. وبعد تفحصنا للامر المذكور من المفيد التأكيد على ما يلي:
١-صدر الامر بتاريخ ١٣/ ١٠/ ٢٠٠٩ وهو التعديل رقم ٢ للامر العسكري رقم ٣٢٩ لعام ١٩٦٩. وفي الحقيقة، فان الحديث عن موضوع التسلل قد سبق ذلك بكثير. وهو يعود الى ٢٦/ ٩/ ١٩٦٧ عندما صدر الامر العسكري رقم ١٢٥ الذي عرف المتسلل انه الشخص الذي «دخل المنطقة متعمدا وخلافا للاصول بعد ان مكث في الضفة الشرقية من الاردن او في سوريا او في مصر او في لبنان بعد ٧ حزيران ١٩٦٧». والمقصود هنا بالمنطقة الضفة الغربية. وتم تعديله بعد ثلاثة شهور تقريبا ليشمل اولئك الذين دخلوا الضفة الغربية قادمين من البلدان آنفة الذكر، بموجب تصريح ومكثوا فيها بعد انتهاء مدة التصريح، وبعد ذلك تم استبدال الامر ١٢٥ بالامر ٣٢٩ آنف الذكر الذي اصبح بذلك الامر الاساسي المتعلق بالتسلل.
٢-يعرف الامر ١٦٥٠ «المتسلل» على «انه الشخص الذي دخل المنطقة بصورة غير قانونية بعد تاريخ محدد او شخص متواجد في المنطقة لكنه لا يحمل تصريحا صادراً بطريقة قانونية». وهذا التعريف ادخل تعديلا على الامر الاصلي بحذفه الاشارة الى الدخول الى الضفة الغربية من الدول المجاورة، والاستعاضة عنه بالدخول اليها بصورة غير قانونية دون تحديد جهة الدخول. مما يعني شموله لاية منطقة غير منطقة الضفة الغربية اي منطقة القدس ومنطقة قطاع غزة واسرائيل ذاتها.
لان الجانب الاسرائيلي ومنذ البداية قد قسم الارض الفلسطينية المحتلة الى ثلاث مناطق هي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس بعد ضمها في الشهر الاول للاحتلال. ويشمل التعديل كذلك، وهو ما وضحه البند ٥ فقرة أ، الذين تواجدوا في الضفة الغربية دون ان يكون بحوزتهم تصريح او وثيقة تشير الى ان دخولهم تم بشكل قانوني ودون تفسير معقول لذلك.
وهذا يقتضي مواصلة نفاذ ذلك التصريح او الوثيقة التي اما ان تكون صادرة عن القيادة العسكرية للضفة الغربية او عن السلطات المعنية في اسرائيل طبقاً لقانون الدخول الى اسرائيل لعام ١٩٥٢، والمقصود في هذه الحالة، الاجانب الذين يدخلون اسرائيل بموجب تأشيرة «الفيزا».
٣-الجديد في الامر ١٦٥٠ انه يمنح «المتسلل» فرصة دحض القرار الصادر بحقه امام ضابط في الجيش او الشرطة، وعدم تنفيذ الابعاد قبل انقضاء ٧٢ ساعة على تسلمه القرار خطياً. ومن الملاحظ ان الجهات الرسمية الاسرائيلية تضخم من موضوع الدحض هذا واهميته لدرجة انها تعتبر ان الامر العسكري الجديد قد تم في مصلحة الفلسطينيين اي اولئك المصنفين على انهم «متسللون» وانه قد جاء تحت ضغط المحكمة العليا الاسرائيلية، لكن التجربة، تظهر بما لا مجال للشك، ان لجان الاعتراض العسكرية تؤكد في العادة قرارات القادة العسكريين ونادراً ما تدحض احدها، وبالتالي، هي مجرد خطوة مخادعة لاستكمال مقتضيات العدالة في جانبها الشكلي والاجرائي دون الوصول الى كنهها وجوهرها.
٤-وما استحدثه الامر ١٦٥٠ ايضاً انه يمكّن القائد العسكري من مطالبة «المتسلل» بمصاريف تنفيذ قرار الابعاد، بما في ذلك تكاليف اقامته رهن الاعتقال الى سقف يصل الى ٧٥٠٠ شيكل، وان يصادر امواله لضمان تغطية المبلغ المفروض، وهذا ليس بالجديد في السلوك الاسرائيلي حيث يجري ارغام فلسطينيي القدس على دفع تكاليف هدم منازلهم من قبل الجرافات الاسرائيلية.
٥-يأتي الامر ١٦٥٠ في سياق سلسلة من الاوامر والتدابير العسكرية للجانب الاسرائيلي بشأن تقييد وتقليص الوجود الفلسطيني في الارض المحتلة، وصولاً الى الاخلال بتركيبتها السكانية في ضوء النشاط الاستيطاني الاحلالي المحموم المتواصل في كافة الاحوال. ومنذ البداية، تعاملت السلطات الاسرائيلية مع فلسطينيي الارض المحتلة على انهم «مقيمون» وليس «مواطنون».
ووردت كلمة «الاقامة» اول مرة في الامر العسكري رقم ٦٥ الصادر في ١٨ آب ١٩٦٧. وكرسته فيما بعد بالاحصاء العام للسكان في شهر ايلول ١٩٦٧ والذي استندت اليه في اصدار بطاقات هوية للسكان ابتداء من شهر اذار ١٩٦٨ لكل من بلغ ١٦ عاماً من الذكور بداية، وفي مرحلة لاحقة للاناث كما هو الحال عليه الان.
وكما هو معلوم، ترتبط كلمة «اقامة» عادة بالاجنبي او الغريب الموجود مؤقتاً في بلد غير بلده، وعليه فإن استعمالها في وصف الفلسطينيين بما في ذلك المقدسيين، هو في الحقيقة تعبيراً عن رؤيتها لهم كغرباء في ارضهم وبلدهم، وهي اي «الاقامة ليست اكثر من اذن بالاقامة والعمل في هذه الارض المحتلة ووفق شروط اذا لم يتم التقيد بها يخسر الانسان الفلسطيني صفة «المقيم»، وعلى هذا الاساس، سحبت الاقامة من عشرات آلاف الفلسطينيين الذين مكثوا في الخارج مدة اكثر من المسموح بها عندما كان هذا احد الشروط حتى اواسط تسعينات القرن الماضي تقريباً، فيما لا زال نافذاً لفلسطينيي القدس.
٦ - يشكل الامر ١٦٥٠ انتهاكاً واضحاً لاحكام القانون الدولي الانساني، وبالذات اتفاقية جنيف الرابعة لعام ١٩٤٩، التي تفرض على القوة المحتلة احترام الحقوق الاساسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسكان الاقليم المحتل بوصفهم اشخاصا محميين، وهو علاوة على ذلك، خرق لروح المادتين ٦٢ من جنيف الرابعة و٧٤ من البروتوكول الاول لعام ١٩٧٧ المكمل لاتفاقيات جنيف اللتان تؤكدان مسؤولية اطراف النزاع على جمع شمل الاسر المشتتة لا تشتيتها على النحو الذي يرمي اليه القرار الذي نحن بصدده، وهو كذلك، انتهاك لمبادىء حقوق الانسان الاساسية التي ارستها الشريعة الدولية لحقوق الانسان، والتي تؤكد حق الانسان في الحركة والتنقل والاقامة وتكوين اسرة من اختياره، ناهيك عن انه مناف لسمة العصر وسلوك الامم المتمدنة.
٧ - وعلاوة على ما تقدم، فإن الامر ١٦٥٠ مخالف لاعلان اوسلو للمبادىء بشأن ترتيبات حكومة ذاتية انتقالية الذي يؤكد البند الرابع منه على الوحدة الاقليمية الواحدة للضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى ضرورة الحفاظ على سلامتها الاقليمية طوال الفترة الانتقالية، ومثل هذا النص ينسجم مع القانون الدولي الذي ينظر الى الارض المحتلة ككل متكامل في ظل وضع قانوني واحد ومصير واحد، وبالتالي، يشكل هذا القرار دليلاً اضافياً على تنصل الجانب الاسرائيلي من الاتفاقيات المبرمة مع الجانب الفلسطيني الا في المجالات التي تصب في مصلحته بشكل اكيد وواضح.
وختاماً لا بد من القول ان الكثير من المؤشرات تظهر تراجع السلطات الاسرائيلية عن تنفيذ الامر ١٦٥٠ على الاقل على النحو الذي تم التخوف منه اي بوتيرة عالية، مع امكانية تطبيقه في المرحلة الحالية جزئياً هنا وهناك، ولكن ما دام الامر نافذاً دون الغاء فإن امكانية تطبيقه تبقى قائمة، وهو ما يستوجب مواصلة العمل، على جميع المستويات والمحافل، على الغائه وحمل السلطات الاسرائيلية على الاعتراف بحق الاقامة للاشخاص والعائلات في المكان الذي اختاروه وفقاً لمصلحتهم.
وهو لا يشكل في حال من الاحوال خطراً على امن القوة المحتلة او ان من الممكن تبريره تحت الضرورة العسكرية الملحة التي تقتضيها احكام القانون الدولي الانساني، وبصفة خاصة، المادة ٤٣ من انظمة لاهاي لعام ١٩٠٧ بشأن قوانين واعراف الحرب البرية، علماً ان المادة المذكورة توجب على القوة المحتلة احترام القوانين النافذة في الاقليم المحتل عشية الاحتلال وعدم ادخال اي تعديلات عليها من خلال اصدار التشريعات العسكرية الا اذا اقتضت ذلك الضرورة العسكرية الملحة ومصلحة سكان الاقليم المحتل، وهو ما اخفق الامر ١٦٥٠، شأنه شأن الاغلبية الساحقة من الاوامر العسكرية الاسرائيلية، في مراعاته.
انها مسؤولية المجتمع الدولي، ممثلاً بمجلس الامن والجمعية العمومية، والدول الاطراف في اتفاقية جنيف الرابعة، والمؤسسات الانسانية الدولية، للعمل واتخاذ ما يلزم من تدابير لحمل اسرائيل على الغاء هذا القرار وعلى احترام الوضع القانوني للارض الفلسطينية كأرض محتلة، بما في ذلك وحدتها الاقليمية.



