قاوموا إسرائيل في عقر دارها.. امريكا
الكاتب: د. عصام نعمان
راية نيوز: لولا دعم الولايات المتحدة الامريكية، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، لما قامت اسرائيل وتنامت وتعاظمت واصبحت تتكابر حتى على امها الرؤوم. ثم ما كانت لتتدلل وتتمرد، احياناً، على امريكا لولا ان القدرات الصهيونية داخل الولايات المتحدة تضاهي الكيان الصهيوني المزروع في بلادنا إن لم تتفوق عليه نفوذاً وتأثيراً في الادارة والكونغرس والحزبين الديمقراطي والجمهوري واوساط صنّاع القرار في القطاعين العام والخاص. ألم يكن لافتاً ان يوقع 76 عضوا من اصل 100 في مجلس الشيوخ كتاباً موجهاً الى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون يدعونها فيه الى ان تترفق بإسرائيل فلا تضغط عليها في سياق مساعي ادارة اوباما لتسوية الصراع الفلسطيني الاسرائيلي؟
الفلسطينيون وسائر العرب لا يملكون اي نفوذ وازن في امريكا بالمقارنة مع الصهاينة. ذلك ان قدراتهم، لاسيما على الصعيد المالي والإقتصادي، ضعيفة جداً بالمقارنة مع قدرات اليهود والمسيحيين المتصهينين، وهم لا يتلقون دعماً مالياً مؤثراً من دول العرب ومؤسساتهم الاهلية في الوطن الكبير.
الحكومات العربية تدرك هذه الحقائق واهمها قدرة اليهود الامريكيين وحلفائهم ودورهم في صنع القرار السياسي الرسمي المتعلق بقضايا المنطقة. ومع ذلك فهي تمتنع، تقصيراً او تواطؤاً، عن دعم العرب الامريكيين في جهودهم الرامية الى مواجهة يهود امريكا وحلفائهم.
لعل معظم العرب لا يجادل في امرين : الاول، ضرورة مواجهة بل مقاومة اسرائيل في عقر دارها، اي في مصدر قوتها ونمائها وبقائها المتمثل بامريكا. الثاني، ان إضعاف السياسة الامريكية في المنطقة لن يحدث إلاّ نتيجةَ مواجهة صنّاع القرار السياسي الامريكيين الممالئين لاسرائيل ومواجهة تجليات هذا القرار في دول المنطقة وساحات الصراع فيها.
قوى المقاومة العربية والإسلامية تحاول، بلا كلل وبنجاح نسبي، مواجهة تجليات السياسة الامريكية في المنطقة. وهي مواجهة لا تحظى، سياسياً واعلامياً ولوجستياً، بأي دعم من النظام العربي الرسمي بإستثناء ما تقدمه سورية على الصعيدين السياسي واللوجيستي، وما تقدمه قطر على الصعيد الاعلامي. فهل من سبيل الى اضطلاع قوى المقاومة والممانعة العربية بدور مؤثر في دعم المؤسسات العربية والاسلامية التي تواجه قوى اليهود الامريكيين وسائر القوى السياسية الممالئة لاسرائيل داخل الولايات المتحدة ؟
المهمة بالغة الصعوبة بسبب ضعف الامكانات المالية لقوى المقاومة والممانعة العربية، ومع ذلك يقتضي استجابة التحدي في سياق مواجهة مديدة تجري حالياً، بفعالية متفاوتة الدرجات، على مستوى العالم كله.
لعل الخطوة الاولى في استجابة التحدي هي الاحاطة بمدى النفوذ الصهيوني في امريكا من خلال رصد وإحتساب تكلفة اسرائيل للولايات المتحدة منذ انشائها لغاية الوقت الحاضر وتتبّع مظاهر هذه التكلفة الباهظة في المستقبل وحصتها من مالية الدولة ومتوجباتها من جهة واثرها في مستوى معيشة المواطنين دافعي الضرائب من جهة اخرى.
لتنفيذ هذه الخطوة الاولى الإستراتيجية، يقتضي قيام تنسيق بين قوى الممانعة والمقاومة في الوطن وقوى المجابهة العربية والاسلامية وقوى اخرى محلية مؤيدة لحقوق الانسان ومعادية للهيمنة الامبراطورية في الساحة الامريكية من اجل الاتفاق على هدف المشروع إحتساب التكلفة والتوافق على مصادر دعمه المالي والعلمي والاعلامي، وعلى وسائل توظيف نتائجه في مصلحة القضايا العربية، وفي مقدمها قضية فلسطين. ولعل الخطوة الثانية تتمثل في إنشاء مركز معلومات ودراسات بعناصر مقيمة واخرى غير مقيمة من المفكرين والباحثين والدارسين والاحصائيين للاضطلاع بالمهمة المطلوبة. واذا تعذّر انشاء مثل هذا المركز في امريكا، فلا بأس من تكليف مركز أبحاث ودراسات مجرّب وناجح في الوطن هذه المهمة كمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت ومؤسسة الدراسات الفلسطينية ذات المكاتب المتعددة داخل الوطن وخارجه. اما الخطوة الثالثة فهي التعاقد مع باحث امريكي معروف، مستقل وغير متأثر بدعاوى الصهيونية واليهود الامريكيين وصنّاع القرار الممالئين لاسرائيل، من اجل تأليف او تحرير كتاب بل مجلد عن تكلفة اسرائيل للولايات المتحدة منذ قيامها غصباً وقهراً العام 1948 لغاية نهاية ولاية الرئيس جورج بوش الابن اواخر العام 2008.
رغم النفوذ الصهيوني القوي في الادارة والكونغرس ومؤسسات القطاع العام والخاص ووسائل الاعلام، فإن في مقدور الباحثين والدارسين والاحصائيين تجميع وتبويب وتحليل اوجه الإنفاق الامريكي الكثيف، المباشر وغير المباشر، على اسرائيل، وأثر هذه التكلفة في الدولة والمجتمع، وإستنتاج الدلالات واستخلاص الدروس من هذه التجربة الامبراطورية الفريدة والباهظة التكلفة.
الى ذلك، تجدر الإشارة الى ان عدداً غير قلــــيل من الباحثين والكتّاب والمعلقين السياسيين رصَدَ او حـــلّل أوجه الإنحياز السياسي الامريكي الرسمي الى اسرائيل وحذّر من مخاطره وتــــداعياته، لكن قلّة منهم رصدت وحـــللت وجوه الانفاق المالي والدعم الإقتصادي المكلف الذي تكبّدته الولايات المتحدة في تحالفــــها الثابت مع اسرائيل. في هذا المــجال، تبرز محاضرة لافتـــــة للاقتصادي الامريكي توماس ستوفر ألقاها في ندوة بجامعة ماين الامريكية، كان لخّصها وابرز محاورها الاساسية الصحافي الامريكي دايفيد فرانسيس في صحيفة 'كريستشن ساينس مونيتر ' الامريكية في 9/12/2002.
كشف ستوفر انه اعتبارًا من العام 1973 ولغاية آخر العام 2002 تكلّفت الولايات المتحدة على اسرائيل ما يربو على 1.6 تريليون دولار، اي الف وستمئة مليار دولار. وقد جزم ستوفر ان ما تكبدته امريكا على اسرائيل في صراع هذه الاخيرة مع الفلسطينيين لغاية آخر العام 2002 يزيد عن ضعف تكلفتها، اي تكلفة امريكا، في حرب فيتنام.
اكثر من ذلك، شكك ستوفر في أن تسدد اسرائيل قيمة الضمانات التي تمنحها الولايات المتحدة لسندات الدين التي تبيعها حكومة الكيان الصهيوني لتمويل مشروعاتها. ذلك ان سندات الدين يجري تنظيمها على نحوٍ لا تقوم اسرائيل بموجبه بدفع اي فوائد عنها لغاية تاريخ استحقاقها، ثم تقوم الولايات المتحدة بدفع قيمة السندات والفوائد المترتبة عليها على مدى عشر سنوات!
يؤكد ستوفر ان اسرائيل هي اكبر مستفيد من العون الخارجي الذي تقدمه الولايات المتحدة لحلفائها في العالم. ففي السنة المالية 2003 جرى تخصيصها بمبلغ 2,04 مليار دولار كمساعدات عسكرية وبمبلغ 720 مليون دولار كعون إقتصادي الامر الذي مكّنها من الحصول على اكثر من 3 مليار دولار سنوياً على مدى سنوات عديدة.
ما وضع سائر حلفاء امريكا في المنطقة، على صعيد المساعدات والمعونات، بالمقارنة مع اسرائيل ؟
ترجم ستوفر العون الرسمي الامريكي بحسب القوة الشرائية للدولار الامريكي في العام 2001، فتبيّن له ان الولايات المتحدة منحت اسرائيل لغاية 1973 نحو 240 مليار دولار بالمقارنة مع مصر التي جرى منحها 117 مليار دولار والاردن 22 ملياراً.
تساءل ستوفر في محاضرته عما اذا كان دافعو الضرائب الامريكيون واعين للدعم وبالتالي للتكلفة غير المباشرة التي تتكبدها حكومتهم بسبب اسرائيل. في مقدم هذه التكلفة السرية او الخفية المبالغ الاضافية الباهظة التي تدفعها الولايات المتحدة لقاء ارتفاع اسعار النفط والاضرار الاقتصادية المترتبة على ذلك نتيجة الحروب التي شنتها اسرائيل على العرب منذ قيامها او اضطر العرب الى شنها العام 1973 لتحرير الاراضي التي احتلتها اسرائيل في حرب العام 1967. فقد ادى تناقص شحنات النفط الى امريكا نتيجة حرب 1973 الى حصول انكماش كبير في الاقتصاد الامريكي فقدت الولايات المتحدة جرّاءه نحو 420 مليار دولار من انتاجها، وان زيادة اسعار النفط نتيجة الحرب كلّفتها نحو 450 مليار دولار.
الى ذلك، عدّد ستوفر وجوهاً اخرى للعون الامريكي لاسرائيل الباهظ التكلفة، ابرزها :
أولا، تحوّل الجمعيات الخيرية اليهودية الامريكية الى اسرائيل او تبيع لمصلحتها ما لا يقل سنوياً عن مبلغ 50 60 مليار دولار.
ثانيا، تمنح الولايات المتحدة اسرائيل ضمانات تجارية لقروضها لا تقل كلفتها عن 10 مليار دولار، تدفعها الخزينة الامريكية في نهاية المطاف.
ثالثا، دعمت الولايات المتحدة مشروع المقاتلة الاسرائيلية 'لافي' ومشروع صاروخ 'السهم' بمبلغ 2.5 مليار دولار.
رابعا، تستخدم حكومة اسرائيل ما لا يقل عن 40 في المئة من مبلغ الـ 1.8 مليار دولار الذي تتلقاه سنوياً كمساعدة عسكرية والمخصص عادةً لشراء معدات واسلحة امريكية بغية شراء معدات مصنوعة في اسرائيل!
خامسا، تمكّنت اسرائيل، بفضل المساعدات والمعونات الامريكية، من ان تصبح دولة رئيسية في صناعة الاسلحة وتصديرها الامر الذي ادى الى منافسة الولايات المتحدة نفسها في سوق السلاح وأفقد الامريكيين عشرات الاف الوظائف المتعلقة بهذه الصناعة.
هذه الارقام المليونية بل المليارية التي قدمها ستوفر تبيّن خسائر امريكا في سنة واحدة (2001 2002) فقط. لا شك في ان الخسائر تضاعفت بعد ذلك اذْ قامت اسرائيل، بإيعاز من امريكا، بشن حربين على العرب، الاولى العام 2006 ضد لبنان والمقاومة، والثانية العام 2008 2009 ضد المقاومة في قطاع غزة. ولا ريب في ان ادارة بوش اضطرت الى تغطية تكاليف تينك الحربين لكونها اوعزت الى اسرائيل بشنهما. فوق ذلك، انزلقت الولايات المتحدة الى ازمة مالية واقتصادية خانقة منذ صيف 2008، وهي ما زالت تكابد آثارها المؤلمة، اقتصادياً واجتماعياً. وربما لهذا السبب وضعت ادارة اوباما المخططات السياسية والعسكرية من اجل تسريع خروج قواتها من مسارح الحربين المكلفتين في العراق وافغانستان. ألا يقتضي، والحالة هذه، ان يغتنم العرب، حكومات ومقاومات، فرصة الازمة هذه للتركيز على تكلفة اسرائيل الباهظة للولايات المتحدة وحصتها المتنامية في الدين العام الامريكي الذي فاق 10 تريليونات دولار وما يترتب على دافع الضرائب الامريكي تسديده من حصته في هذا الدين؟
صحيح ان اسرائيل تستطيع ان تستغل عوامل عدة، سياسية وثقافية وحتى عنصرية، للتغطية على تكلفتهـا الباهظـة للولايات المتحـدة وعلى تمرير المساعدات والمعونات بمليارات الدولارات التي تتلقاها سنويا من امريكا. لكنها لن تستطيع إسكات دافع الضرائب الامريكي المتضرر من تكلفة ادامتها الباهظة وانعكاسها المسيء الى معيشته الآخذة بالتدني.
صراعنا مع الولايات المتحدة واسرائيل طويل وصعب ومتعدد الساحات والجبهات. ولعل توظيف الجهود العربية في الجبهة الداخلية الامريكية لفضح تكلفة اسرائيل الباهظة للولايات المتحدة، دولةً وشعباً، من اجدى الجهود واكثرها فعالية اذا ما احسنّا استثمارها.
هل ننسى ان حسن استثمار اعداء حرب فيتنام في الداخل الامريكي لخسائر بلادهم البشرية والمادية في مسارح القتال كان عاملا رئيساً في اكراه ادارة ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسينجر على تسريع المفاوضات مع ثوار الفيات كونغ من اجل تسريع الخروج ( الذي كان مهيناً) من فيتنام الجنوبية؟



