الدرويش
الكاتب: حافظ البرغوثي
رايه نيوز: لا تغيب شمسه ولا ينتقص ظله، هو دائما ها هنا أو ها هناك، متربص بنا وبالوطن وبالفضاء الكوني، كأنما أرجوحته ضوء ووسادته قمر وبساطه من رياض الشفق المطل على بحر يافا وحيفا وتلال القدس وفصولنا الاربعة.
يرحل الشعراء ويودعون اشعارهم في مسامات الذاكرة الابدية، فيظل المحمود فينا هاتفاً لفجرنا وموقظاً لليلنا وساهراً في نهارنا لان ما قال انما قال لنا وعنا ومنا.
يا عاشق الشمال كم أطربتنا في الجنوب، ويا رهين رام الله كم اعجزتنا في القدس، ويا مرسلاً بين العواصم كم افتضح سر عشقك للقرية الجليلية. ويا عاشق الارض كم حلقت بنا في فضائك الكوني. ها أنت في كل مكان كأنما بددت نفسك في الجهات الست تحت فوق شمال جنوب شرق وغرب وأوضحت لنا ان موتك كان بطيئا لانك كنت تنتظر الحياة، فعاجلها الموت وعاجلته بقصائد لا تموت. وان كان لك ان تعيد البداية تختار ما اخترت: ورد السياج وتسافر ثانية في الدروب التي قد تؤدي ولا تؤدي الى قرطبة.
هكذا قلت ذات سنين وها أنت تتأرجح ما بين قرطبة وقرطبة وبلا دروب، لانك اختططت لنفسك دروبا على سلم موسيقي تؤديه كوكبة من الكواكب الحائرة في فلك لا يدور الا فوق حديقة الوطن.
كم أسلفت وكم بكرت وكم تقدمت وكم سابقت نفسك ثم اعلنت عزوفك وصمتك في تواضع الفرسان، وقدتنا الى حيث نشتهي المكان والحلم وننحت الوطن في الذاكرة وننقش مليون موقعة حرب وحب على صخرة صغيرة لا تتسع الا لعاشق واحد يحمل عشيقته بين ذراعيه، فان افسح لها مكانا غير قلبه الى جانبه سقطت في الفراغ، وكان عليه ابقاؤها في قلبه، وكان علينا ابقاؤك في ضميرنا. فهذا قدر العاشق، ان يحمل عشقه او صليبه!



