علامات على الطريق - الصراخ في قاع البئر
الكاتب: يحيى رباح
رايه نيوز: يحضر شهر رمضان بكل بهائه ومعانيه السامية، وذاكرته النورانية، يحضر للمرة الرابعة ونحن نرزح تحت سقف الانقسام ، وبما أن الانقسام هو فعل شاذ ، وقرار موبوء، وخطيئة كبرى، وخيار أسود، فان تداعياته تدور كلها في هذه الحلقات الكارثية من تدمير الذات، وخاصة وأن هذا الانقسام هو الأكثر شذوذا، أولا لأننا شعب تحت الاحتلال، ولا يوجد فعل شائن يستفيد منه الاحتلال أكثر من هذا الانقسام، وثانيا لأن هذا الانقسام منذ لحظاته الأولى قبل أكثر من ثلاث سنوات وحتى هذه اللحظة، فشل فشلا ذريعا في العثور على أي غطاء وطني أو سياسي أو ديني أو اخلاقي، برغم ان العازفين على وتر هذا الانقسام كثيرون، في فلسطين بأرض الوطن وفي المنفى، عرب وعجم، حكومات وأحزاب، كل ينفخ في ناره، وكل يتعيش من ورائه، سواء التعيش السياسي، أي الحصول على دور، وهذا ما تقوم به الدول وأجهزتها الاستخبارتية، أو بعض الأحزاب وهيئاتها الدعوية، أو كان التعيش على مستوى مئات الجمعيات في الداخل والخارج، التي أثرت من وراء تجارة الانقسام، أو حتى بعض الأشخاص من رجال دين وصحفيين وكتاب ومن يقال عنهم مفكرون، الذين جندوا أنفسهم لهذا الانقسام، واحترفوا الصراخ والشتائم والأكاذيب، وأصبحوا جنود الشيطان بالمطلق.
الذي يتألم هو شعبنا، والذي يخسر هو شعبنا، والذي يعاني هو شعبنا، والأكثر ألما ومأساوية أن هذا الشعب المناضل البطل يئن ويصرخ ولكن لا يسمعه أحد، كأنما هو يصرخ في قاع البئر العميق، لأن هذا الانقسام بتفاعل آلياته كل يوم، ويجعل أصحابه يغرقون أكثر وأكثر في جاذبية الآخرين، وأوحاد الآخرين، وفي لعبة الأمن فيفقدون بذلك اخر ما تبقى لهم من مصداقية وإرادة وقرار، وحين يغرقون في بحيرة الوحل، ويفقدون أنفسهم، لا يجدون مناصا من أن يسدوا آذانهم عن معاناة شعبهم، سواء على صعيد تفاصيل حياته اليومية أو على صعيد تطلعات حياته الوطنية، لدرجة أن بعض المقولات التي نسمعها اليوم تبدو مضحكة مبكية في إن واحد، فكيف يمكن ان يكون هناك أمن على سبيل المثال بينما طوابير البطالة تزحف وتسد عين الشمس ودروب الأمل، واليأس يبلغ مداه، والفلسطيني فردا أو جماعة لا يستطيع أن يخطط لحياته ولو لمدة يوم واحد، بل هو يعيش لحظة بلحظة كيفما تدفعه الريح، ومثلما تنعكس عليه قرارات الآخرين، لدرجة أن تجار الحصار والانقسام في المنطقة المحيطة بنا وفي العالم من حولنا لا يمدون يد المساعدة للتقليل من حجم الكارثة، فالخريجون بعشرات الآلاف فأين اليد التي تمتد إليهم لتأخذهم إلى فرصة عمل؟ لأن المتاجرين بالحصار والانقسام يريدون للمشكلة أن تبقى، وللألم أن يزيد، وللبؤس أن يتراكم، حتى يكون المشهد تراجيديا فتنجح تجارتهم.
إن قطاع غزة على سبيل المثال، لا يتحدث عنه أحد ولو بجزء قليل عن الحقيقة، فالدعايات السياسية الكاذبة في واد بينما حياة الناس في واد اخر، وان ألاف مؤلفة من سكانه يعز عليهم رغيف الخبز الحاف، وان مئات الآلاف من شبابه المتعلمين، أو الذين لديهم مهارات تقنية، وعشرات الآلاف منهم كانت تعتمد عليهم إسرائيل في أرقى مزارعها ومصانعها، هؤلاء يدورون حول أنفسهم كالمجانين في دروب البطالة القاسية، ولو وجد هؤلاء عند أشقائهم العرب فرصة عمل لاستقامت حياتهم وحياة عائلاتهم، وخرجوا من معاناة هذا الجحيم اليومي، وأطلوا على افاق قضيتهم التي تتراجع حتى في وقائع الحياة اليومية، فان الجائع أو العاطل عن العمل أو المحشور في قسوة البطالة أو اليائس من المستقبل، لا يمكن أن يفكر بالقضية رغم ادعاءات الكاذبين.
الشذوذ في نموذج الانقسام يكمن في أن كل عدو لشعبنا يستفيد منه، بينما نحن من جراء هذا الانقسام نخسر كل شئ، وبعض القوى الفلسطينية حتى تسكت تأنيب الضمير عن استمرار هذا الوضع الشاذ، فإنها ترفع صوتها بالصراخ، صراخ الشعارات، صراخ الرفض، صراخ الأوهام، ولكن حتى هذا الصراخ الصادر من قاع البئر لا يسمعه أحد.
الحالة أخطر ألف مرة مما يعترف به الكثيرون، وأنا أخاف من طوفان اليأس حين يأتي ، وماذا يمكن أن يفعل اليائسون بأنفسهم؟ وماذا سيفعل الذين يرون الحقائق، ولكنهم يهربون منها، ويهربون، ويكذبون؟



