الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:38 AM
الظهر 12:43 PM
العصر 4:22 PM
المغرب 7:26 PM
العشاء 8:48 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

تلك الصورة.... وهذا وجهي

الكاتب: عيسى قراقع

رايه نيوز: الصور التي نشرتها مجندة إسرائيلية على موقع الفايسبوك، مستعرضة ومستمتعة بأجمل فترات حياتها في الجيش الإسرائيلي كما تقول، الى جانب معتقلين فلسطينيين بائسين مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين ، موقفين منذ ساعات طويلة في العراء، بلا طعام وماء، وفي حرّ الشمس أو البرد الشديد، تشير الى واقع هذا الجيش الذي لم يعد يرى نفسه سوى جلادا يستلذ بتعذيب الآخرين، ويسجل ذكرياته البطولية في سيرة دولة تدخل التاريخ على قرص من جهنم.

الصور التي تداعت، والتي تظهر كيف يتصرف الجنود الإسرائيليون مع الأسرى كأنهم ليسوا من بني البشر، صاحبها تصريحات وقحة على لسان المجندة نفسها وهي تقول أنها تستمتع بقتل العرب وذبحهم ، واعتراف من وزير الأمن الإسرائيلي "اسحق اهيرنوفيتش" بأن الشرطة والجيش الإسرائيلي يقومون باعتقال وإهانة الأطفال القاصرين خلال اعتقالهم .

وقد اعترف قائد كتيبة " نحشون" الاسرائيلية "دودي أوبرمان" بأنه سمح للجنود بضرب المعتقلين، وأن القائم بأعمال المستشار القضائي للحكومة الاسرائيلية المحامي" شاي نيتسان" اعتبر أن ضرب فلسطينيين ليست مخالفة جنائية ، وكل هذا غطي بفتوى من الحاخام الإسرائيلي " يوسف اليتسور" أوردها في كتابه بعنوان " توراة الملك" يدعو فيه الى قتل غير اليهود.

إن كل ذلك يدل على أن منهج التعذيب والتنكيل وإهانة الأسرى هو منهج راسخ وثابت في الثقافة والعقلية الاسرائيلية وجزءا من التربية الأيدلوجية التي تعلم الجنود و أن يكونوا آليين وأن لا يروا أي شيء إنساني حولهم.

الصور لم تفصح عن كل شيء ، ففيها صراخ وألم لأسرى تعرضوا للضرب المبّرح منذ لحظة اعتقالهم، واعتدي عليهم بأعقاب البنادق والبساطير، وحقق معهم باستخدام الكلاب المتوحشة والصعقات الكهربائية، وأجبروا على التعري والقرفصة، وتقليد أصوات الحيوانات وترديد نشيد " هتكفا" ، وشرب البول أو الماء الساخن، وعدم السماح بالذهاب الى المراحيض، وشدّ الكلبشات على أيديهم مدة طويلة.

الصور تحمل في داخلها قصّة الأسرى الذين اعتقلوا دخل حفر ترابية أو حاويات حديدية ، أو في مستوطنات ومراكز توقيف مجهولة، شبحوا في المراحيض ، وعلقوا من رقابهم لإجبارهم على الاعتراف، أو أجبروا على التوقيع على إفادات باللغة العبرية لا يعرفون مضمونها وخاصة الأطفال.

الصور تكاد تتحرك وتفصح عمّا يجري هناك في أقبية التوقيف والزنازين وظلمات السجون : أسرى تعرضوا لوخز الإبر في الرقبة والرأس خلال استجوابهم، وأسرى رشت الغازات في أعينهم وهم مكبلين، وأسرى جرّوا طويلا على الأرض، وآخرين رفسوا بالأقدام وبصق في وجوههم وشتموا بألفاظ نابية، وآخرين استخدموا دروعا بشرية خلال الاعتقالات.

الصور التي تستعرض المجندة والجنود فيها ، تبرز مشاهد الحرب الصامتة والخفيّة التي تدور على أجساد المعتقلين منذ لحظة اعتقالهم وقبل طلوع الفجر: 14 % من الاطفال تعرضوا لاعتداءات جنسية، 65 % تعرضوا للتنكيل والابتزاز ، 35 % لم يتلقوا العلاج خلال اعتقالهم ، وكل هذا يحظى بحصانة ومساندة من أجهزة تطبيق القانون في إسرائيل.

الصور تقول أن التعذيب والتنكيل بالأسرى صار لعبة تسلية لدى الجنود، يتفاخرون بتصوير أعمالهم البشعة، ويوزعونها على أصدقائهم وصديقاتهم، ويحتفظون بها في ألبوماتهم الشخصية، إنهم يتسابقون في نصب المصائد والكمائن للأسرى والإيقاع بهم .

الصور تقول أن هذه هي ثقافة الاحتلال: التجرد من أي بعد أخلاقي وقانوني، انحدار عميق نحو العنصرية والكراهية، مجتمع لم يعد أكثر من مشهد عسكري ومعسكر اعتقال.

تلك الصورة ..... وهذا وجهي : المجندة مستلذة ومستمتعة ومسترخية ومبتسمة بقربي، وهي نادمة أني مازلت حيّا، المجندة يبدو أنها واثقة أن لا أحد سوف يلاحقها أو يقاضيها، فهي تعيش في دولة مسموح لجيشها أن يفعل ما يشاء، دولة أكبر من القانون الدولي الإنساني ، وخاصة أن المجندة تعلمت في المدرسة على العسكرتارية وكراهية الآخرين وأن الجيش الإسرائيلي هو الأكثر أخلاقية في العالم، وأن سلاحه طاهر.

المجندة في الصورة مرتاحة أمام جسدي المنهك، وتجد نفسها أكثر جمالا وتألقا وإغراءا أمام حالتي المتعبة، وربما أصبح مسرح التعذيب والاعتقال وإذلال الناس مصدر سياحة في دولة إسرائيل.

تلك الصورة ... وهذا وجهي : معصوب العينين، مقيد اليدين ، عطشا، جوعانا ، خائفا ، جسدي مدمي بالركلات والضرب، لا اعرف أين أنا، ولماذا أنا هنا، اسمع سخريات وضحكات الجنود من حولي كأني على خشبة مسرح دولة إسرائيل وهي تدخل المجتمع الدولي بأقدام من حديد ، وبألبوم صور يؤهلها أن تصبح عضوا أساسيا في الأمم المتحدة ، قادرة أن تلغي اتفاقيات جنيف الرابعة والثالثة ، وتشطب العهد الدولي لحقوق الإنسان، وتجيز لنفسها ممارسة التعذيب لمحاربة الإرهاب العالميّ، والسماح باعتقال الأطفال لأنهم يشكلون خطرا على أمن إسرائيل مستقبلا إذا ما كبروا.

تلك الصورة وهذا وجهي : جهازهم القضائي لم يأخذ بالشكوى التي تقدمت بها، ممنوع أن يشتكي الفلسطيني، فالمجندة لم تخطيء ، والمحقق الذي دعس على جرحي لم يخطئ، والجندي الذي ضربني أمام أولادي ورفس في بطني حتى أغمي عليّ لم يخطئ.

تلك الصورة ، وهذا وجهي : أعطوني رقما وخبأوا اسمي، لم يسمحوا للمحامي والصليب الأحمر بزيارتي، أخفوني في ذلك المعسكر حتى تكتمل حفلة الضرب والتسالي، وتكتمل عناصر الإفادة لأكون جاهزا لمحاكمة عسكرية سريعة لا تستغرق سوى 3 دقائق وأربع ثوان ، لأصبح بعدها سجينا أعيش في زمن المجندة وفي أجمل أوقات حياتها.

تلك الصورة... وهذا وجهي: شكرا للجنود وللمجندة المستعرضة ، لقد وفرت لهم كل أسباب الراحة، تمتعوا بي من الوريد الى الوريد ، كنت حلالا لهم في الليل والنهار: ملابسي القذرة الممزقة، وجهي الناشف الوسخ، شعري المنتوف، جسمي العاري ، صرخاتي وأوجاعي التي تحولت الى إيقاع جميل وبلا آلات موسيقية.

مشهد رائع، لجنود رائعين ، يعودون الى منازلهم وأطفالهم، سعداء منتشين بما حصل معي، يروون لأولادهم وزوجاتهم ما حصل في ذلك الجزء المخفي من الصراع : غنائم بشرية تقع بين أيديهم صالحة للاحتفال في ذكرى استقلال دولة إسرائيل في العام القادم.

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...