تقدير موقف
الكاتب: حسن خضر
رايه نيوز: لا يمكن فهم العملية الأخيرة في الخليل خارج سياقها الزمني والسياسي. فقد جاءت عشيّة استئناف الـمفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية في الولايات الـمتحدة. والعملية في هذا السياق تحمل رسالة مزدوجة: رفض الذهاب إلى الـمفاوضات، والعمل على إجهاضها.
وفي الحالتين، فإن النتيجة الـموضوعية تتمثل في إضعاف موقف الـمفاوض الفلسطيني، وتزويد الإسرائيليين بذرائع إضافية وطازجة للتشديد على الجانب الأمني، وتهميش القضايا السياسية الأساسية.
بين الفلسطينيين مَنْ يرفض الـمفاوضات لأنها لن تؤدي إلى نتيجة. وطالـما كان الأمر كذلك فلـماذا العمل على تخريبها؟
وبينهم مَنْ لا يتبنى ضرورة تخريبها لكنه مُقتنع بعبثيتها لأن الإسرائيليين لن يقدموا شيئاً يُعتد به، وقد كان هذا حال عدد من الحاضرين في اجتماع الـمعارضة الـمُجهض في رام الله.
والـمشكلة في الحالتين، أيضاً، ليست في وجاهة الأسباب التي يقدمها هؤلاء وأولئك، بل في عدم وجود خيارات عملية مُقنعة تصلح بديلاً لعدم الذهاب إلى الـمفاوضات. في التصريحات والبيانات والتحليلات الرافضة لفكرة الذهاب إلى الـمفاوضات بدائل بلاغية وذرائع كثيرة، بطبيعة الحال، لكنها تنطوي على قدر كبير من التفكير الرغبي والحسابات الخاطئة، وهذا ما لا يمكن لسياسي محترف أن يعتمد عليه في صياغة الـموقف السياسي.
في النصف الثاني من التسعينيات وقعت عمليات مشابهة لعملية الخليل، وكان توقيتها يترافق مع التفاوض على تسليم الـمدن في الضفة الغربية إلى السلطة مرّة، ومع مناسبات سياسية حاسمة في مرّات أخرى.
وإذا نظرنا إلى ما حدث، آنذاك، بأثر رجعي، فسنجد أن النتيجة الـموضوعية لكل ما حدث كانت تزويد الإسرائيليين بذرائع جديدة للفصل بين الـموضوعين الأمني والسياسي، إلى حد أن الأوّل أصبح مقياساً للتقدّم في الـموضوع السياسي، على الرغم من أولوية السياسي على الأمني، فالـمشكلة مع الإسرائيليين هي الاحتلال وكيفية التخلّص منه، وليست التدليل على الكفاءة الأمنية لإثبات الجدارة في الـموضوع السياسي.
الـمفارقة، في هذا السياق، أن أحداثاً من طراز عملية الخليل، يمكن أن تُقرأ بطرق مختلفة في أكثر من مكان. ففي فلسطين تعني انقسام الفلسطينيين، وفي إسرائيل تعني أولوية الأمن على السياسة، وفي الولايات الـمتحدة تعني الحذر من الإفراط في التفاؤل.
وإذا جمعنا كل هذه القراءات فليس فيها ما يدل على احتمال الوصول إلى ضوء في نهاية النفق في وقت قريب أولاً، بينما تدل على نجاح الإسرائيليين في التسويف ثانياً، وتتجلى فيها حقيقة الاستنزاف الـمستمر لأوراق القوّة لدى الطرف الفلسطيني، نتيجة صراعات داخلية، ثالثاً.
كان خيار الذهاب إلى الـمفاوضات صحيحاً، ولكن التصرف إزاء أحداث بعينها من نوع ما حدث في قاعة البروتستانت في رام الله، مثلاً، لا يسهم في عزل الأطراف الساعية إلى تخريب الـمفاوضات بكل ثمن وحسب، بل ويقلل من فرص الحصول على التأييد الشعبي لخيار الذهاب إلى الـمفاوضات، باعتباره الخيار الصحيح بين خيارين أحلاهما مر.



