أم الأسير أحمد التكروري... عين واسعة فوق مدينة أريحا
الكاتب: عيسى قراقع
رايه نيوز: استقبلتنا في ذلك المساء الرمضاني، امرأة سمراء كأنها مجبولة من صخور فلسطين صمودا وعراقة وثباتا، وعلى الفور عرفت رائحة هذا المكان من صوتها الممزوج بالأمل والحزن وهي تقول: أهلا بأخوة أحمد.
وهناك وبين أشجار النخيل، روت أم أحمد كيف كانت تسهر الليالي الطوال فوق سطح بيتها خلال الانتفاضة الأولى، خائفة على المدينة من اجتياح الدبابات الاسرائيلية، ومن اعتقال الشبان المنتفضين الغاضبين.
عين واسعة تشع في الليل، تحلق في سماء أريحا، فلا يصدق أحد أن هذه المدينة تقود الى هاوية، وإنما تعلو كثيرا كأنها إحدى صفات الشموخ، وأن أم أحمد إحدى هباتها جبلا وضوءا ورجاءا.
أم أحمد ومنذ اعتقال ابنها لم تهدأ، وإنما ككل الأمهات تواصل اختراع الأمل، تربط النطاق على معصمها، وتبني البيت الذي هدموه حجرا حجرا، وتترك بين البساتين خطواتها الواضحات، فيعرف الجميع أن أم أحمد مرت من هنا، لمست عشبة أو تركت دمعة، وهي لا توصي الأرض بالمستحيل، بل بأسماء تنبت من لبن التراب كلما مرت الغيوم.
أم أحمد المرأة الفلسطينية التي تحفظ أسماء كل الأسرى وأسماء كل السجون، تحفظ الشوارع الالتفافية التي يمر منها باص الصليب الأحمر، ومواقع الحواجز العسكرية، ووجوه المجندات وهن يزمجرن بلغة التفتيش المذل خشية من تهريب قطعة من الحنين الى الأسرى تدافع من خلاله الأمهات عن بلد خطفته الأساطير.
اعتقل أحمد جبريل التكروري وزميله جمعة إبراهيم آدم يوم 31/10/1988 ، ومنذ ذلك اليوم وأم أحمد تصرخ في البراري، تدور من سجن الى سجن، تلاحق السجانين ومواعيد البوسطة، خائفة أن يصاب أحمد بأي مكروه، تمشي فوقه كسحابة، تحاول أن تقول له: أمك هنا، لن أتمهل، ولن أتباطأ، ولن أتوقف، بل سأوقف الوقت، فالحياة حتما ستعدل نقصانها بعد حين ولن أتلفت خلفي.
وهناك رواية لم يسمعها أحد من قبل، عن أم تنتظر إبنها أكثر من عشرين عاما كي يعود كما تركته شابا أنيقا ، لم يكسره زمن السجن، ولا اليأس من حلول السلام على هذه الأرض، لم تشوهه الحرب التي طالت وامتدت من غرف النوم حتى الزنازين.
وهناك رواية، تستعيد أم أحمد فصولها، عندما جاءت المجنزرات والطائرات والكلاب المتوحشة وآلاف الجنود ليعتقلوا أحمد في تلك الليلة السوداء، كانوا يبحثون عن شجرة نخيل واقفة ليقصفوها، وكانوا يتوغلون في الأخضر والندى وطلوع الفجر دخانا ورصاصا.
لم تسأل الضحية جلادها، لماذا أتيت من خارج حدود الموت لتموت هنا، لست ضيفا على رياحنا، لا اسم لك بين نباتنا، لا وشم لك على أي صخرة أو شجرة، لم تسأل الضحية جلادها في تلك الليلة عما فعلوه بالولد الذي حشروه وربطوّه داخل الدبابة وأخفوه في ليل من حديد .
عاشت أم احمد في تلك الخيمة، لا بيت ولا أحمد، أيام قاسية من الجوع والبرد والفقر حتى هدّها المرض، وعندما غاب أحمد شعرت أن كل شيء صار غائبا: الصوت الينابيع، الطبيعية، رائحة البرتقال، وما عليها سوى أن تملأ هذه العزلة بالصبر والدعاء.
أم احمد التكروري تقف على شبك الزيارة، امرأة حنطية كأغاني الحصاد، تقترب من أحمد وتوصيه أن يحفظ كل المفردات والكلمات كي يصون المكان من العبرنة، توصيه أن لا يترك السجن أثرا على حدود الوعي، بعد أن صار السجن أكبر من غرف موصدة، أو من مجرد حرمان الأسير من رؤية البحر، السجن يا أحمد صار إعادة صياغة للتاريخ ماضيا وحاضرا، السجن هندسة لسكان يتحولون الى عبيد، قالت ذلك وأجهشت بالبكاء.
أم احمد لم تنهار، وإنما تلك المجندة الاسرائيلية هي التي انهارت بعد عودتها من الخدمة في الجيش الإسرائيلي، فقد اعترفت أن ما يفعله الجنود مع الأسرى لا يحتمل، وأنها رأت الجانب الخفي لدولة إسرائيل، وسقوط الشعار الذي يدعي أن الجيش الإسرائيلي هو الأكثر أخلاقيا في العالم.
أم أحمد لم تنهار، وإنما تلك المجندة المستمتعة المستلذة الى جانب صور الأسرى المكبلي الأيدي والمعصوبي الأعين: انهيار أخلاقي وتربوي، فساد عسكري ومهني يشبه رائحة الحرب، انهيار شعار طهارة السلاح، وكل ذلك يستند الى فتوى الحاخام الأكبر في إسرائيل " عوفادا يوسف" الذي يتمنى الموت والطاعون للشعب الفلسطيني.
أم أحمد لم تكمل القصة بعد، غدا الزيارة رقم 528 لأبنها الأسير أحمد، وأريحا لا تنام، هناك عين ساهرة في السماء، تدور بين برج الحياة والحرية.



