حبيب واحد ليس اكثر
الكاتب: سحر سليمان
رايه نيوز: تنظر الى وجوه المارة وكأنها تفتقد وجوه احبة.. لكن ملامح الحزن تزداد في وجهها المفتقد لوجود.
أخذني هذا المقطع من تلك القصيدة إلى ما حدث معي ذات يوم، لكنني لم استطع صياغته بشكل أدبي لأني لم أكن في يوم ما امتلك المقدرة لاعلى الكتابة ولا على التعبير، لكنني حين قرأته أخذني وبقوة إلى ما حدث معي وكأن كاتبة تلك الكلمات كانت معي أو ربما تعاني ما أعانيه. كنت اقرأ الكلمات وأنا مأسورة بكل حرف وكأني مغيبة داخل اللغة.
حالة من الشرود أو ربما حالة من التماهي لمطابقة الحالة التي مرت معي بهذه الحالة التي اقرأها الآن وإعجاب قوي بالكلمات التي امتلكت كاتبتها مقدرة التعبير.
مع اختلاف بسيط للأحداث فما مر معي لم تتطرق له الكاتبة ربما لأنها كانت تعاني فقط من حالة الوحدة والافتقاد.
أما أنا فمنفية عني حالة الوحدة كأمر مُعاش لأني امرأة متزوجة إذا لدي أنيس أو شريك للحياة هذا ما يؤخذ كنظرة أولى عني أو لنسميها نظرة سطحية أولية، وأيضا حالة الافتقاد لا وجود لها فماذا تفتقد امرأة متزوجة، لكني في واقع الحياة امرأة وحيدة تفتقد الرجل
والافتقاد هنا لا يبوب في خانة وجود شريك معي في البيت إنما افتقاد لكل حالة حب أو عشق أو ود أو لهفة، لن أطيل بسرد ما حدث معي واقترابه أو ابتعاده عن حالتي وحالة الكاتبة وعقد الاكاسيا.
كنت برفقة صديقتي حين صعد إلى عربة المترو بائع الاكاسيا فأصرت صديقتي على أن تشتري عقدين تهدي واحدا لعنقها والآخر لي، حاولت اقناعها بان تزين عنقها فقط أما عنقي فجماليته بتجرده إلا من غطائه اللحمي لكنها دفعت بالنقود إلى الرجل الذي مد إليها عقدين وانصرف ليتابع طريقه عارضا عقود الاكاسيا على ركاب العربة.
سارعت صديقتي بوضع عقد الاكاسيا حول عنقي وهي تربط خيوطه الطويلة ومدت إلي بعقد الاكاسيا كي أزين بها عنقها وهي تبتسم إلى رجل يقابلنا في المقعد تحدثه بلغته عن جمالية الاكاسيا لونها عطرها فرد عليها مجاملا أن أعناقنا جميلة نحن العربيات وستزداد جمالا حين يفوح منها عطر الاكاسيا.
أنهيت مهمتي بعقد خيط العقد وأنا أتذمر من منظر الخيط حول عنقي لكنها كانت فرحة تكاد ترقص وهي تتحدث عن لحظة دخولها المنزل واستقبال زوجها وهو يضمها شاكرا لها تلك الحركات المنعشة لحبهما فعقد الاكاسيا سيمنح هواهما دفقه جميلة من الود.
وستكون دفقه هواء لطيف بعد قيظ يوم طويل غابه عنها وعن الأولاد والمنزل، فهنا ساعات العمل طويلة متعبة تحتاج الى زوجة كهذه تمتلك مثل تلك الحركات اللطيفة.
تتلمس صديقتي حبات العقد وهي تحكي عن كيفية استقبال زوجها لها وكيف ستكسب وقتا أطول وهو يضمها معانقا ليستنشق عبق عطر الاكاسيا الفواح من عنقها.
حالة عشق ووله توحدت فيها صديقتي وهي تتلمس العقد وتتحدث عن زوجها، هي تتكلم وبفرح عن تلك الحالة وتصف روحها كيف ستصعد الدرجات العالية لسكنها في الطابق السادس وكيف ستطرق الباب لأنها ستتقصد عدم فتحه بمفتاحها الخاص لأنها تريد معرفة دقة الملاحظة عند زوجها وكيف وكم و و و.
هي تتحدث وتسرد تريد أن لا يتوقف المترو في بقية المحطات كي تسارع بخطاها في تسلق الدرج وأنا أفكر بكيفية إزالة العقد عن عنقي قبل أن أدخل البيت لكن لماذا أفك خيط العقد
ولماذا لا اتركه على عنقي فانا بكل الحالات اعرف مسبقا أن زوجي لن يرى العقد لأنه لإيراني أنا ككل ولا كتفاصيل.
وهذه الحالة اكتشفتها بالصدفة لأني كنت أعتقد أن زوجي يراني لكني وبمحض الصدفة تيقنت من أنه لا يراني وهذا اليقين أحدث بروحي اهتزازا لم أفق منه لمدة طويلة
كان شعري طويلا يصل إلى منتصف ظهري ولونه باهتا فأحببت أن أغير لونه وكذلك تسريحته فقصصته إلى ما فوق كتفي وسرحته بطريقة جميلة وتزينت لزوجي قبل عودته من العمل، لكن زوجي عاد واستقبلته بكل الترحيب وشربت وإياه القهوة وجهزت العشاء وجلست بقربه لنسهر وأنا انتظر أن يبادر إلى كلمة تلميح عن شعري تغير لونه، بررت في روحي ربما لأنه يراني دوما لم يلحظ لكن قصة شعري هل يعقل إنه لم يلاحظها
تعمدت أن أتذمر من الشعر القصير وكيف يصعب إبعاده عن العين فالتفت إلي عابسا ومتسائلا: هل قصصت شعرك متى وكيف؟
تيقنت وقتها من أن زوجي يملك تجويف العين ويملك الأهداب والرموش والبؤبؤ لكنه يفتقد إلى البصر.. حاله حال الطفل الرضيع الذي يمتلك كل مؤهلات النظر والرؤية لكنه لا يرى
وفعلا ودعت صديقتي في المحطة القريبة من منزلها وتابعت طريقي لمنزلي وعقد الاكاسيا يحيط بعنقي ودخلت منزلي ألقيت التحية وتقصدت أن لا اغير ملابسي الأنيقة الخاصة بالخروج.
وجهزت فنجاني القهوة لي ولزوجي وجلست أتكلم له عن خروجنا تسوقنا وهو يقرأ الأخبار
مددت يدي إليه بلفافة تبغ تقصدت أن أشعلها له افتعلت قصة تحتاج إلى قوة تمثيل بالأصابع والرأس كي يلتفت إلي يراني ويرى عقد الاكاسيا من خلال الإشارات التي تعمدت زجها بقصتي عساه يرى العقد.
لكن العقد بقي لمدة يومين مدلى على عنقي وبعدها نزعته وعلقته جانب سريري على الضوء
ربما حالة العقد أخذتني بجمالية نظرية أن ما بيننا يشابه كثيرا العقد كيف كان متألقا ثم تحول إلى الجفاف والذبول والإهمال فما عاد يُرى إلا بحالته الأخيرة وهي الذبول.



