الـمؤشّرات الواضحة والخفايا في خطاب أوباما
الكاتب: حسن البطل
رايه نيوز: أخذنا ما شئنا من خطاب أوباما في الجمعية العامة، عن الأمل بالترحيب بفلسطين الـمستقلة عضواً في الأمم الـمتحدة؛ وللإسرائيليين أن يأخذوا ما يشاؤون من الخطاب ذاته: "إسرائيل دولة ذات سيادة، والوطن التاريخي للشعب اليهودي".
هذا "تجسير" بين ضفتيّ جسر "كي وست" في أميركا مثلاً، وهو أطول الجسور هناك.. ومهمة وزيرة خارجيته، هيلاري كلينتون ومساعديها، "التجسير" بين صيغة ما للتجميد الاستيطاني، الـمؤقّت أو الجزئي، وبدء مفاوضات حول تحديد حدود الدولتين خلال ثلاثة أشهر من فترة العام كأجل للوصول إلى اتفاق يسمح لأميركا (أي للعالـم) بالترحيب بفلسطين الـمستقلة في الجمعية العامة.
لفتني صديق فلسطيني ــ بريطاني إلى أن صيغة "فلسطين الـمستقلة" تعتبر أكثر تقدماً من صيغة "دولة متواصلة وقابلة للحياة" الـمنسوبة لـمندوب "الرباعية" توني بلير، التي قبلها وردّدها من بعده مسؤولون فلسطينيون كبار.
عباس كان حاضراً ــ مع وفد بلاده كاملاً ــ خطاب أوباما، ورحّب به.. ومقاعد وفد إسرائيل في الجمعية العامة كانت شاغرة، في بادرة قد تعدّ نوعاً من "إهانة" علّلها الإسرائيليون باحتفالهم بعيد "العُرُش"، وهو تعليل يقبل تعاليل، لأن حاخاماً كبيراً أفتى بجواز خرق حرمة الأعياد، وبدء الاستيطان لأن الأهم قبل الـمهم!.
خطاب أوباما الـمطوّل نسبياً حول فلسطين / إسرائيل في الجمعية العامة، أكثر وضوحاً وتحديداً من خطابيه في أنقرة والقاهرة: فلسطين مستقلة؛ وإسرائيل يهودية، وعلى زعماء الجانبين أن يأخذوا ما يروقهم، غير أن إسرائيل مُجبَرة على الاعتراف بفلسطين الـمستقلة، التي ليست مُجبَرة على الاعتراف بإسرائيل يهودية. إسرائيل دولة؟ نعم، لكن أوباما تجاوز صيغة اعتراف ترومان بإسرائيل عام 1948، الذي شطب كلـمة "يهودية" من صيغة "إسرائيل ديمقراطية ويهودية".
أوباما هو ثالث رئيس أميركي (وديمقراطي للـمصادفة؟) ضليع في الـمسألة الفلسطينية ــ الإسرائيلية، بعد الرئيس كلينتون والرئيس كارتر.. مع فروق مهمة، وهي أن كارتر، الـمكروه إسرائيلياً، اهتم بالعدالة في فلسطين بعد إنهائه فترة ولايته، ووصل اهتمامه إلى ذروته في وضعه كتاب: "فلسطين: السلام لا الفصل العنصري" وليس على كتابه هذا حاز "نوبل للسلام".
الرئيس كلينتون، اهتم بالـمسألة جدّياً في نهاية ولايته الثانية، ورعايته مؤتمر كامب ديفيد الفلسطيني ــ الإسرائيلي، لكنه أول رئيس أميركي يعرف أسماء أحياء القدس، وصاحب حل قوامه: "ما هو يهودي يغدو إسرائيلياً، وما هو عربي يغدو فلسطينياً".
في حديثه إلى (فورين بوليسي) الأميركية، ونقلته (يديعوت) الإسرائيلية، رأى كلينتون أن في إسرائيل شعباً من ثلاثة شعوب: الـمهاجرون الروس الـمعارضون لتقسيم أرض ــ إسرائيل؛ واليهود الشرقيون الحيارى بين أصولهم ودولتهم؛ وأخيراً الصهيونيون اليهود، العلـمانيون غالباً، وهم أكثر "شعوب إسرائيل" قبولاً لـمبدأ: "دولتان لشعبين"، هذا التحليل لـم يعجب حزب "إسرائيل بيتنا".
أما الرئيس أوباما فقد قام بجولة فحص ودراسة إلى فلسطين وإسرائيل ودول الـمنطقة عندما كان مرشحاً للرئاسة.. وفي اليوم التالي لتوليته، وقبل استكمال طاقم حكومته وإدارته، قام بتعيين جورج ميتشل مندوباً عنه إلى الـمنطقة، ثم قام برعاية إطلاق الـمفاوضات غير الـمباشرة في لقاء بارد بين عباس ونتنياهو، وإطلاق الـمفاوضات الـمباشرة في لقاء حار بينهما.
على ذلك، فإن كارتر اعتبرها مسألة مبدئية، وكلينتون مسألة سياسية.. وأوباما مسألة شخصية وسياسية ومبدئية. إذا رحّبت أميركا بعضوية "فلسطين الـمستقلة" في الجمعية العامة رحبت بقية الدول، وإذا تحفظت أميركا على مشروع عربي ــ مصري لوضع إسرائيل الذرية تحت رقابة دولية، سقط الـمشروع بالتصويت. وإذا قالت أميركا "لا" لحكم محكمة لاهاي الدولية حول "الجدار العازل" تم تجميد الحكم ومنعه من دخول قاعة مجلس الأمن الدولي.
هناك أهمية أخرى لخطاب أوباما في الجمعية العامة، وهي أن الرئيس الأميركي لا يربط بين الـمفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وقد أفهم هذا، صراحة، للرئيس عباس ولرئيس الوزراء نتنياهو، علـماً أن إسرائيليين يأملون أن "تكبح" نتائج انتخابات الكونغرس، وتقدم الجمهوريين، حماسة الرئيس أوباما لحل الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي.
الرئيس عباس يكاد يكون في غنى عن مديح الرئيس أوباما لشجاعته السياسية، لكن رئيس الوزراء نتنياهو في حاجة ماسة إلى مثل هذا الـمديح لتشجيعه على الـمضيّ قُدماً في "التجميد" والـمفاوضات أيضاً، لأن "التجميد" صار مطلباً دولياً عاماً، لكونه يكشف عن "الوجه الحقيقي" لسياسة نتنياهو في قبول "حل الدولتين".. وهل هو "زعيم تاريخي" أم رئيس وزراء آخر؟!.



