ألهذا الحد وصل الإستهتار بالمواطنين العرب يا بلدية القدس ؟
الكاتب: شبلي السويطي
أودعت ما يسمى " باللجنة اللوائية " لبلدية القدس مشروع يحمل الرقم (13900) يتضمن إقامة مكب للنفايات على أراضي المواطنين الفلسطينيين المصادرة من أراضي قرى العيسوية، ورأس شحاده (من أراضي شعفاط) وضاحية السلام (من أراضي عناتا) والذي سيقام على (518 ) دونما، ويشمل المشروع إقامة منظومة من البنية التحتية، تشمل إقامة شبكة من الطرق وتشييد مكاتب لإدارة الموقع وأماكن خاصة للمعالجة، بما يتطلبه ذلك من عمل تحويلات وتعديل لشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات وغيرها في المنطقة، والذي يشمل حسب المخطط إقامة مكب للنفايات الصلبة والسائلة على ما تبقى لموطني هذه القرى من احتياطي الأراضي، دون علمهم واستشارتهم كسكان وأصحاب لهذه الآرض، ودون الأخذ بعين الاعتبار للمصالح والاحتياجات الضرورية لهم بالمنطقة والتأثيرات الصحية والبيئية والحياتية عليهم.
إن هذا المخطط لم يتم نشره حسب الاصول باللغة العربية ضمن وسائل الاتصال والإعلام المتاحة ليتم الإعتراض عليه حسب القانون، علما بأن المخطط بكافة مكوناته يتعارض مع القانون الدولي الإنساني كونه أولاَ يقوم على أراضٍ محتلة، وكون المشروع لا يجلب أية منفعة لسكان المنطقة ومالكي هذه الأراضي، ولا يحسّن من أوضاعهم ولا يعطيهم أية قيمة مضافة لتحسين معيشتهم، بل على عكس ذلك تماماَ فهو سيجلب لهم مزيداَ من التلوث والضوضاء والحصار .
هذه القرى والمنطقة المستهدفة لإقامة المكب على أراضيها، هي منطقة منكوبة أصلا شأنها شأن باقي مناطق وقرى وضواحي مدينة القدس، التي ابتليت بالإحتلال وبإقامة جدار الضم والتوسع العنصري الذي يهدف الى الإستيلاء على الأراضي الفلسطينية وفصل التواصل السكاني والطبيعي بين هذه القرى، وذلك لتسهيل السيطرة والإستيلاء عليها، وإقامة الشوارع الالتفافية التي قطّعت أوصال مناطق التجمعات السكانية الفلسطينية، ومحاصرتها بالمستوطنات من جميع النواحي، حتى أضحت القرى في القدس المحتلة كجزر صغيرة في خضم محيط من المستوطنات والمؤسسات والمناطق الصناعية والأمنية الاسرائيلية، والتي أقيمت على أراضي تمت مصادرتها من أصحابها الشرعيين خدمة لهؤلاء المستوطنين، دون أخذ أدنى اعتبار لإحتياجات المواطنين الفلسطينيين الإسكانية والتنموية والتطويرية ، وقد أصبح هؤلاء المواطنون يعيشون في معازل وغيتوهات محاصرة ومهملة، فهذه المنطقة المستهدفة ابتليت بحاجز ومعبر مخيم شعفاط بعد محاصرة هذا المخيم بجدار الضم والتوسع العنصري، الذي فصل ما يقارب من ( 60,000 ) ألف مواطن من حملة الهويات الزرقاء عن مركز حياتهم بالقدسِِ وألقى بهم خارجه. من جانب آخر فقد أقيمت مؤخرا المحطة المركزية للقطار الخفيف على أراضي بلدة شعفاط بمساراتها التي وضعت بعناية ودراسة مستفيضة، لإلغاء أي تقسيم مستقبلي للقدس، أما من الجهة الشرقية فهناك حاجز الزعيّم ومركز شرطي بديل لمركز توقيف المسكوبية، واللذان أقيما أيضا على أراضي المواطنين من قرى الطور والزعيم مما أدى الى تقطيع أوصالهما ، أما قرية العيسوية فقد تم فصلها عن أراضيها من الشمال والغرب والجنوب بالمستوطنات التي أقيمت على اراضي القرية المصادرة ، ومن الشرق الشارع الرئيس الذي يربط مستوطنة معالي أدوميم المقامة على اراضي بلدات العيزرية وأبوديس في الضفة الغربية بالقدس ، وبالتالي فصل أراضي العيسوية التي تقع شرق هذا الشارع والتي سيتم إنشاء هذا المكب عليها عن امتدادها الطبيعي بالقرية ، وكانت البلدية قد منعت خلال السنوات الماضية المواطنين من استثمار هذه الأرض والبناء فيها أو استغلالها، الى أن انجلت واتضحت الصورة والمخطط الخبيث بإقامة هذا المكب ومصادرة الأرض خدمة للمشروع الإستيطاني التهويدي الكلي في القدس الشرقية .
ان من شأن تنفيذ هذا المخطط حرمان هذه القرى من الأراضي الحيوية التي كانت مخصصة للتوسع الطبيعي المستقبلي والآني، وسد حاجتها من بناء المساكن للأزواج الشابة والمشاريع الاسكانية والاقتصادية والتطويرية التي تخدم أصحابها بالدرجة الأولى، والمواطنين المقدسيين الذين يعيشون ضائقة سكنية خانقة بالدرجة الثانية ، وكان قد قدم لبلدية الاحتلال من قبل السكان في هذه القرى مخطط هيكلي تطويري يخدم سكان هذه القرى، والتي بدورها قامت برفضه رغم أنه يلبي كافة الشروط المطلوبة، ومن الجدير بالذكر أن بلدية الاحتلال كانت قد صادرت في وقت سابق 800 دونم من أراضي العيسوية لإقامة متنزه قومي بذريعة حماية حيوانات وطيور مهددة بالإنقراض، غير آبهة بأن الوجود الفلسطيني في القدس بات أيضا مهددا أكثر من أي وقت مضى جراء إقامة هذه المشاريع مما جعل القرية تفقد إحتياطيها من الأرض تماما، وفي نفس السياق فقد صادرت بلدية الإحتلال 1500 دونم من أراضي شعفاط جزء منها لتوسيع المستوطنة الجاثمة على اراضي البلدة من الجهة الغربية، أما الجزء المتبقي فقد خصص لإقامة متنزه قومي يخدم المستوطنين غير آبهة باحتياجات المواطنين أصحاب الأرض الأصليين والتطور المستقبلي لهم، وهنا من حقنا التساؤل هل إقامة الحدائق والمتنزهات خدمة للمستوطنين الذين يسكنون بالمباني والشقق الفارهة والمقامة على أراضي المواطنين وينعمون بكل مقومات الحياة الكريمة التي وفرتها لهم حكومتهم أولى من أصحاب هذه الأراضي الذين يضطرون لإستأجار البيوت غير الصالحة إن وجدت وذات الأجرة المرتفعة، وفي أغلب الأحيان خارج قراهم نظرا للضائقة السكنية المتفاقمة في المدينة المقدسة والذي بلغ العجز في المساكن فيها حسب آخر الإحصائيات حوالي 20,000 شقة؟!
وبحسب مركز " عدالة " فان هذا المكب المزمع إقامته سيستوعب ما بين 5 - 8 ملايين طن من النفايات والمخلفات التي ستحوي بعض المواد الخطرة التي سيتم استجلابها من كافة مناطق القدس الكبرى بمستوطناتها على مدار العشرين سنة القادمة وهو العمر الافتراضي للمشروع، وبهذا يكون الاحتلال قد طمر (وادي قاسم ) ذا المناظر والطبيعة الخلابة بما يحويه من تنوع حيوي نادر ومسحه من الوجود، وسيؤدي كذلك لهدم القرية البدوية في هذه المنطقة مما سينتج عنه تهجير 22 عائلة من عرب الجهالين تحوي 120 فردا والذين يحملون الهوية المقدسية، إضافة لهدم ثلاثة بيوت حجرية وحظائر للأغنام والبركسات والخيام والكهوف، ليتم بعدها تخصيص الموقع بعد انتهاء الفترة الزمنية المحددة له، إما لاقامة منطقة صناعية اسرائيلية كبرى أو لإنشاء متنزه قومي يخدم المستوطنين في المنطقة، وبالتالي السيطرة على هذه الاراضي الحيوية لتحقيق وضمان التواصل بين المستوطنات المقامة في الضفة الغربية مروراَ بمنطقة (E1 )، للتواصل مع مناطق ونفوذ بلدية القدس التي تقع بها الأرض المزمع إنشاء المكب عليها، وبالتالي تحقيق التواصل بين المستوطنات المقامة على أراضي الموطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية ونظيراتها المقامة على أراضي المواطنين في القدس، من خلال تواصل جغرافي وسكاني استيطاني لخلق واقع على الأرض، ينهي أي حلم بإقامة دولة فلسطينية متصلة مستقبلاً.
إن إقامة هذا المكب ( المزبلة ) وبهذه المنطقة بالذات، سيؤدي لأضرار بيئية خطيرة تمس حياة السكان اليومية، وما سيسببه ذلك من تلويث للبيئة ونشره للروائح الكريهة والأغبرة والغازات السامة والمركبات الخطرة والنفايات المشعة والنفايات العضوية والمركبات الطبية، من مخلفات المستشفيات الملوثة بما تحويه من سموم خطيرة ومعدية ، وما يمكن أن تسببه من أنواع مختلفة من السرطانات، مثل سرطان المثانة والرئة فضلا عن أمراض القلب والسكتات الدماغية والتهاب الشعب الهوائية والعقم وغيرها من الأمراض، إن تأثيرات هذا المكب الضارة لا تنعكس على صحة القاطنين في هذه المنطقة فحسب، بل تمتد آثارها السلبية والمدمرة الى البيئة المحيطة بأكملها، ونشوء بيئات مشجعة لتكاثرالجراثيم والحشرات والقوارض، وسيتسبب هذا المكب بتشويه الطبيعة وتلويث المياه السطحية والجوفية، خاصة أن الموقع يقع ضمن الحوض الغربي المائي الذي يتسم بغناه واحتياطياته الكبيره، والذي لا يأبه الإحتلال بتلويثه نظراَ لعجزه عن السيطرة عليه واستخدامه نظرا لقربه من التجمعات والقرى الفلسطينية .
هذا المخطط ليس المخطط الوحيد الذي باشرت بتنفيذه بلدية القدس على أرض الواقع في القدس الشرقية، هادفة الإستيلاء على الأراضي الفلسطينية شأنه شأن أغلب المخططات للأراضي التي نفذتها البلدية في السنوات الأخيرة، والتي لم تكن لصالح السكان الفلسطينيين أو تلامس أدنى احتياج لهم، فقد قدمت مشروعا آخرعلى مساحة 150 دونما من الأراضي المصادرة من قرى كفرعقب وبير نبالا وقلنديا، وصادقت عليه لإقامة محطة لتجميع النفايات التي يتم استجلابها من القدس الكبرى لهذا الموقع بعد إغلاق مكب العيزرية، وسيتم التخلص من 1400 طن من النفايات فيه يوميا، وما سيشكله ذلك من أضرار بيئية وصحية على المواطنين العرب بهذه المنطقة أيضا.
إن اقامة هذه المكبات في هذين الموقعين وغيرها من المواقع في القدس الشرقية، ستؤدي لنشوء واقع بيئي صعب للمقدسيين إضافةَ للواقع الذي يعيشون فيه أصلا من تمييز وإهمال بجميع المجالات الحياتية بفعل إهمال بلدية القدس للأحياء المقدسية داخل وخارج الجدار تحقيقا لأهدافها المكشوفة، وحرمان هذه المناطق من الخدمات والبنية التحتية المستحقة لها، رغم أن المواطنين الفلسطينيين يدفعون ما يترتب عليهم من ضرائب للبلدية وغيرها تحت طائلة القانون والحجز على الممتلكات، رغبة منهم في المحافظة على مواطنتهم في المدينة المقدسة تحت طائلة سحب الهويات، ويتلقون مقابل ذلك أدنى الخدمات الواجبة والمستحقة لهم من أشباه الطرق والبنية التحتية المدمرة، وانعدام مؤسسات الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية، ونقص الغرف الصفية والنوادي والملاعب والمتنزهات وغيرها، بينما تقدم البلدية أعمال وخدمات مختلفة لليهود في القدس الغربية والمستوطنات والذين يعيشون بأحياء راقية تحوي كافة وسائل الحياة العصرية، وتقوم البلدية بإقامة جميع المنشآت ذات التأثير البيئي الخطير والذي لا يقبل المستوطنين بأن يكون قريبا منهم، حيث تعمد البلدية بإقامتها داخل الأحياء العربية بعد مصادرة احتياطيات أراضيهم القليلة المتبقية لتنفيذ هذه المشاريع ذات التاثير البيئي الخطير.
إن المطلوب وبشكل عاجل وقبل فوات الأوان الوقوف أمام هذا المخطط وغيره من المخططات، وعدم التسليم بالأمر الواقع الذي يفرضه الإحتلال، فالقدس الشرقية هي مدينة محتلة منذ عام 1967 وينطبق عليها ما ينطبق على مجمل الاراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعليه فعلى دولة فلسطين التي تم الإعتراف بها مؤخرا كدولة حسب القرار الأممي، الإستفادة من زخم هذا الإعتراف واستخدامه كسلاح قوي يستثمر لصالح كل ما من شأنه استعادة الحقوق، من خلال التحرك سريعا لايقاف هذا المخطط الذي ينتهك حقوقنا كدولة واقعة تحت الإحتلال من قبل دولة أخرى، والتوجه للمنظمات الدولية ذات الإختصاص بما فيها محكمة الجزاء والعدل الدولية لتتحمل مسؤلياتها لوقف هذا المشروع العنصري البغيض وغيره من المشاريع والمخططات الاستيطانية، والتي كان آخرها إقرار المباشرة بالبناء الإستيطاني بمنطقة E1 بهدف قطع أي اتصال وتواصل مستقبلي بين جنوب وشمال الضفة الغربية، ومنع إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، وكذلك جدار الفصل العنصري بالاستفادة من حصولنا على القرار الاستشاري بعدم قانونيته، والذي اعتبر جريمة يعاقب عليها القانون الدولي بأبعاده البيئية والإنسانية والسياسية، واعتبار ذلك اعتداءً سافراَ من دولة الاحتلال الإسرائيلي على أراضي دولة فلسطين المحتلة، بما يوجب على هيئة الأمم ومجلس الامن وكافة المنظمات ذات الشأن اتخاذ القرارات ضمن البنود ملزمة التنفيذ بحق الدولة المعتدية، وأن تتحمل المنظمات المحلية العاملة في القدس والضفة الغربية مسؤولياتها، وعدم كيل بمكيالين بالتعامل مع القضايا العالمية بما يتلاءم مع مصالحها وعلى رأسها القضية الفلسطينية .



