المصالحة.. ضرورة إنقاذ وليست مكافأة!
الكاتب: يحيى رباح الحياة الجديدة
مع الأسف الشديد, فإن طريق المصالحة ليس سالكا, برغم أن الكثيرين ساهموا في بث أجواء التفاؤل – وانا واحد من هؤلاء – وما زال المتفائلون يستندون في قوة التفاؤل إلى عظمة الرسائل التي أطلقها الشعب الفلسطيني بشأن المصالحة, وهي عبارة عن بشارات وإنذارات في آن واحد, بأن هذا الشعب – في الوطن والشتات – تضرر كثيرا من الانقسام وتداعياته وأجنداته المزورة, وسئم كثيرا من لفة الانقسام وتبريراته ومفرداته الهابطة جدا والتي لا تليق بشعب يناضل من أجل استقلاله وحريته ودولته, هي الحقوق الدنيا لأبسط شعوب الأرض, فما بالكم بشعب كان هو الأول الذي أشرقت عليه شمس التاريخ الإنساني! وأنه لم يرتكب خطيئة يعاقب عليها إلى هذا الحد المفجع, وكل ذنبه أنه "سقط تحت أقدام الفيلة الكبار" فظل لاجئا في الشتات القريب والبعيد, وظل محتلا بأفدح نوع من الاحتلال, وظل معذبا في الارض بأبشع أنواع العذاب!
لماذا طريق المصالحة ليس سالكا؟
لأن المصالحة تدار حتى الآن على أساس أنها صفقة, ومن هو المستفيد من هذه الصفقة؟ وأن الانقسام هو عصفور في اليد, فكم نأخذ مقابل إطلاقه والتخلي عنه؟ وأن الربيع العربي قفز فيه الإسلاميون إلى السلطة الدامية غير المستقرة في المنطقة من حولنا, فلماذا لا نحذو حذوهم؟ وان إسرائيل التي تخسر كثيرا بانتهاء الانقسام تغري من تتحدث إليهم عبر الوسطاء أو تحت الطاولة بتكرار التجربة في الضفة! وان بعض المتمسكين بعناصر القوة, أصحاب الانقسام, غير قادرين على تخيل أنفسهم دون هذا الانقسام, ويعتبرونه الفرصة الوحيدة المتاحة لهم, ولن يتركوها, ودونها خرط القتاد, كما يقول المثل العربي القديم!
بينما الحقيقة عكس ذلك تماما, لأن الانقسام يأكل من رصيدنا دون استثناء, ولا يوجد طرف إلا ويخسر خسارة فادحة من وراء هذا الانقسام حتى لو توهم عكس ذلك, وان هذا الانقسام يشوه صورتنا أمام شعبنا وأمام الآخرين, ويضعنا في حالة تناقض بين ما نقول وما نفعل, ويجعل انجازاتنا تذوي بين أيدينا دون أن نتمكن من استثمارها.
و بهذا المعنى, فإن المصالحة ضرورة ملحة للإنقاذ, وليست خيارا من الخيارات, بل هي الخيار الوحيد, وليست مكافأة نريدها أن تكون أكبر, بل هي وسيلة الإنقاذ الوحيدة! وبين هذين المفهومين, المصالحة مقايضة ومكافأة, والمصالحة وسيلة إنقاذ وطني, تجري المحاولات منذ وقع الانقسام في الرابع عشر من حزيران يوليو عام 2007 بعد سقوط حكومة الوحدة الوطنية التي أقيمت بناء على اتفاق مكة, وكل الجهود التي بذلت على امتداد ما يقارب الست سنوات اصبت كلها لحسم أي مفهوم يأخذ به, واعتقد أن الموضوع لم يحسم حتى هذه اللحظة!, ربما تم الحسم علنيا بشأن اعتبار الانقسام كارثة وطنية, وأن المستفيد من الانقسام هي إسرائيل, وان الذين لا يريدون إنهاء الانقسام هي إسرائيل أولا ومعها بعض الأنساق في المنطقة تحت أوهام وذرائع ومسميات مختلفة, ولكن الذي لم يحسم حتى الآن هو المفهوم الذي يبنى على أساسه المصالحة, وينتهي على أساسه الانقسام, بل إن الثمن الذي يطالب به أهل الانقسام يتحرك ويتطور في كل مرة نصبح فيها قريبين من المصالحة, ما هو الثمن بالضبط؟ هل هو المحاصصة, هل هو رأس منظمة التحرير أم أنه المشاركة الفاعلة عبر انتخاب يعيد صياغة قواعد النظام السياسي الفلسطيني ليكون أكثر تأهيلا للقيام بأعباء التزاماته واستحقاقاته؟
هذه الأيام, نحن أمام جدول مواعيد يبدأ في الثلاثين من هذا الشهر في يوم الأربعاء المقبل, هل يثبت هذا الموعد؟ والمفروض أن نعرض فيه محصلة ما عن عمل بعض اللجان, وخاصة لجنة الانتخابات المركزية, ويفضي بنا إلى موعد التاسع من الشهر المقبل حين ينعقد لقاء الإطار القيادي لمنظمة التحرير, فهل هذه المواعيد ثابتة أم تتغير؟ والمفروض أن يكون لنا موعدان في المستقبل القريب جدا, موعد تشكيل الحكومة, وموعد إجراء الانتخابات, فهل نقوم فعلا ببناء قاعدة هذين الموعدين؟
دعونا ننتظر ونرى, وندعو الله سبحانه وتعالى ألا تفقد قوة الدفع إلى الأمام! كما قلت لكم فإن شعبنا أرسل رسائل هي بشارات وإنذارات في آن واحد, ونرجو أن نعمل جميعا على تفادي الإنذارات وكسب البشارات عن طريق انجاز المصالحة.



