مواجهة
الكاتب: هلا الزهيري
كَمَثَلِ الذي ينتظرُ نتائجَ الثانويةِ العامة.. عينٌ شبهُ غافيةٍ، وقلبٌ بكاملِ صحوِهِ وارتجافِه..
استيقظتُ قبلَ الشمس، قليلٌ من الكُحلِ على حافةِ العين، كي أبدو أجملَ في لقائنا الأول..وخرجت!
الشوارعُ بيضاء، كأنها تواطئت مع شوقي لها، وكلّما اقتربتُ منها، تدفقَ نبضي كطبلٍ افريقي، حتى شعرتُ المارّة ينظرون نحوي باستهجان!
بيني وبينها الآن خطوةٌ مرتعشة، لم يبقَ إلا أن أتجاهلَ المجندة الواقفة كخنجرٍ في الروح، تنظمُ دخولَنا إلى بلادنا!!
خطوة، خطوتين، قلبي يكادُ ينفجر، ودموعٌ كموجِ يافا.. قطعتُ الحاجز!
صبيٌّ يصرخ: القدس القدس باص ع القدس..
كمولودٍ جديد، لا يعرفُ شيئا، أجهشت، وركبتُ الباص..
ابتلعتُ كل التفاصيل، أحدهم يقول : الآن ننزل..بخجلٍ عارمٍ سألته عن الطريق
قال: امشي مع الناس..
أنا في القدس اذن..أتنفسها تماما!
أبحثُ عن ذكرياتي في شوارعها، لحظةً لحظة وعمراً مسروق..
كيف نصفُ لقاءا انتظرناه 26 عاما!
...
كإناء مثقوب، أشربُ من هوائها ولا أرتوي!
(هذا هو شارع صلاح الدين اذن، هذا هو الطريق الى القدس العتيقة، ها هو باب الساهرة أمامي تماما
ها هي قبة الصخرة تباغتني بكامل اناقتها، ها هو درب الالام يهون وجعي!)
ثم صفعةٌ تشبه الموت، عندما صادفتُ افواج السياح في كل زقاق، اكتشفتُ أنني مثلهم، أشعرُ بدهشةٍ، والتقطُ صوراً لكل شيء، حتى الباعة المتجولون!
في بلادي فقط تسيرُ في العاصمة، وتتحسسها كالغرباء..
سرتُ في الزقاق حتى فقدتُ إحساسي بأقدامي..بكيتُ، صليتُ، ضحكت،ُ جننتُ، كعاشقٍ مكسور!
...
خرجتُ قليلاً من محيطِ البلدة القديمة، صوتٌ ما بداخلي قال:شارع يافا!
ذهبت..وأدركتُ في لمحةٍ، كيف يمكنُ للفضولِ أن "يقتل"..كانوا هناك في كل مكان، يمارسون كل شيء عادي.. يأكلون ،يتحدثون، يتجولون، يرقصون على وجعي وعمري المذروف خارج نبضها!
وحدي كنتُ الغريبةَ التي تسيرُ على هامشِ الطريق..
أيُّ جوعٍ وأيُّ يُتمٍ وأيُّ وقعٍ أشدٌّ كفراً من هذا المشهد؟!
...
عدت..بحثتُ عن باص رام الله، صعدت، وانتظرت مع البقية أن يكتمل العدد ونتحرك.
متعبةٌ كنت.
مِلتُ برأسي على الشباك.. داهمني صوتُ سائقِ الباص بجانبنا : يافا ع البحر يافا يافا..
قالها بكلِّ انسيابيةٍ هكذا، دونَ أن يلتفتَ إلى قلبي الذي غادرني وتبِعَ صوتَه!
...
عدتُ وحدي..بصورةٍ ناقصة، تنتظرُ آذان المغرب، لأبتلعها وتكتمل: كعكُ القدس!



