من الرجولة أن نحلق شواربنا
الكاتب: توفيق وصفي عن الايام
أخجل أن أشتكي وأتذمر من الحياة في غزة، المثقلة بأزمات حمقاء تدفع بأمثالي إلى حافة الجنون أحياناً، تحت وطأة القطع الطويل والمتقلب للتيار الكهربائي، واقتصار الوقود على القادرين على شرائه، والمكوث قسراً في غزة إلى أجل غير مسمى كخيار أقل كارثية من محاولة السفر. وإلى أين؟ لا يا عمي، لأمت هنا، أو أعيش بانتظار الموت!
أخجل لأن حماي وحماتي يتنقلان من دار إلى دار في دمشق وريفها، ومن خسارة إلى خسارة، لكن في عمريهما بقية، وأكتفي ببث الصبر هاتفياً في روحيهما المتعبتين، وتهدئة ابنتهما التي اجتاحها الضغط والسكري قلقاً وإشفاقاً عليهما.. رحَّلا الأولاد والكناين والأحفاد، واحتميا بدارهم التي يطل عليها جبل الشيخ، لإصرار حماي السَّبْع على حمايتها لأنها "حيلة الأولاد والفتيلة"، وخلال أشهر قليلة ألفى نفسه بلا بيت، لا في المخيم ولا في "الطابو"، وصار مهاجراً يرتحل ورفيقته المتعبة من حي إلى آخر، تبعاً لما يشاع عن أمان نسبي مقارنة بأحياء مرعبة، وبأضعاف أضعاف إيجارات الشقق المعتادة.
أخجل لعجزي عن إلغاء بردى وقاسيون من مخيلتي، عند اقتراب موعد الغزو الأجنبي لسورية، كعجزي عن إعلان حبي لدمشق وسائر بقاع الشام خشية اتهامي بإحدى مصيبتين، تأييد الأسد أو مناصرة معارضيه. أخجل من إعلان حزني التافه على ما يحل وسيحل بأهل قصاع والقصور والمهاجرين وباب الجابي والشاغور والميدان والمزة وأبو رمانة وباب توما وتل منين ونبع بردى والزبداني وبلودان ومخيم اليرموك وحلب وحمص وحماة واللاذقية ودوما ودرعا والجولان، الذين تداخلت وجوههم ولكناتهم في ذاكرتي الإنسانية والكفاحية.
سورية ليست مصيفاً رائعاً وحسب، وليست ملاذاً لنا كلاجئين وحسب، وليست قاعدة التفكير والتدبير لثورتنا المعاصرة وحسب، وليست شقيقة التاريخ والجغرافيا وحسب، هي كل هذا وأكثر، فهي أناس طيبون جميلون لا يُغلقون الباب في وجهك، وإن قالوا "تتعشى ولا تنام خفيف"، ولا يطردونك وإن أتحفوك بنصيحة "تنام عنّا ولا في الأوتيل أريح"!
وداعاً أيتها البلاد، وداعاً يا ناسها، لأن ما يكتنف الضربة الأميركية للشام لا يبشر بأنها محض عقاب رادع والسلام، لعلها النقلة الحاسمة في تغيير مسار الحرب الدائرة فيها، على أنقاض كل ما هو جميل في ربوع سورية العزيزة، بينما يموت جيلنا قهراً على تهاوي أحلامه ومواقفه وقيمه، نتعثر تباعاً في بقية أيامنا بحقائق هذا الزمان، دون الإقرار بأننا أمام مأزق تاريخي يكاد يُلغي تاريخنا وجغرافيتنا، بين ما كنا نراه وما صارت إليه الدنيا، عاجزين عن توجيه نصيحة واحدة مقبولة أو وصية منطقية لأبنائنا وبناتنا، الذين لا يرون إلا القشرة، حيث تتأجج الرغبات والشبق المراهق توقاً إلى الحرية، في القول واللباس والسير على شاطئ البحر مع أنثى، خطيبة كانت أم صديقة، لا يرون أن جوهر حريتهم هو التحرر من الاحتلال، الذي أوصلنا وأوصلهم إلى الحضيض.
نحن جيل يكاد ينقرض دون أن يفسر حقيقة مأزقه، أهو مأزق المثقف أم مأزق الوطن، كمأزق كثيرين منا في التعامل مع التكنولوجيا، مكتفين بما قلّ ودل منها، بينما يسخر أبناؤنا من ضيق أفقنا وخوفنا من الجديد، لظهورنا أمامهم عاجزين تماماً عن فعل شيء سوى سرد "الخراريف" عن أنفسنا، مصابين بعمى ألوان مثير للشفقة، ومنهم من يتهامسون بأننا على أعتاب الإصابة بالجلطة أو الفالج، بعد إصابة معظمنا بالضغط والسكري.
أخجل أن تظهر علينا علامات التسليم بالأمر الواقع ورفضه في آن، تسليم العاجز ورفض اليائس، على بوابة عصر جديد من العبودية، تحت راية الديمقراطية "الأميركية"، وعماماتِ وعصباتِ من لا يرحمون، فلا آفاق تبدو في الأفق إلا للانتحار بتطرف فالت العقال، أو إيثار الذل والخنوع على مخاطر التمرد على سطوة الطغاة، أو أن يحتج من لديهم بقية من رجولة بحلق شواربهم اعترافاً بعجزهم، وإقراراً بأنهم غير جديرين لا بالشنب ولا بالشوارب على جنب!
أخجل فوق ذلك من الفيسبوكيين الذين يغضبون لمجرد اختلاف البعض معهم حول شق من مواقفهم، فيغضب زيد لأن عمراً يؤيد عقاب النظام السوري إذا ثبت تورطه في قصف المدنيين بالكيماوي، مشترطاً ألا يشمل العقاب سورية وأهلها، ما يعتبره زيد تجاهلاً لدور النظام في الفترة التي سبقت الكيماوي. ويختلفان أو تختلفان على مبدأ حق المعارضة في بلد ما في التظاهر، دون ممارسة التخريب.. والنتيجة أن الأصدقاء تحولوا إلى خصوم، يتسابق كل منهم في إلغاء الآخر عن صفحته الفيسبوكية "كي لا يُعكرها"، عدا عن كيل الاتهامات العظمى بالخيانة والعنصرية والجهل والديكتاتورية و.... قائمة لا تنتهي، لتنشأ العداوة بين أصدقاء وأشقاء وجيران الأمس، في حمأة نزوع كل منهما أو أحدهما على الأقل إلى الثأر والانتقام، ليس من المعارضة أو النظام، بل من كل ما عداه، كما تجلى في تعليق ساخر للشاعر الشعبي المصري أحمد فؤاد نجم تداوَلَه بعض الأصدقاء على الفيسبوك، يقول "اللي مبسوط على ضرب سورية علشان بيكره الأسد، زي اللي بيسيب أمه تُغتصب لأنه بيكره أبوه"، وعجبي!



