الاحتشاد في الأمم المتحدة
الكاتب: محمد ياغي عن الايام
لم تشهد اروقة الامم المتحدة مثل هذا الاحتشاد لرؤساء وقادة وزعماء من الصف الاول من دول العالم منذ سنوات. ولم تشهد الجلسات والمناقشات والمناورات التي تجري ومشاريع القرارت التي يتم اقتراحها مثل هذا الاهتمام والمتابعة ، سواء تم ذلك علنا وفي قاعات الامم المتحدة او في لقاءات سرية في غرف مغلقة.
هذا الاحتشاد ليس صدفة . واذا كان الحدث السوري وما وصل اليه وما افرز من قضايا وموضوعات ، هو العنوان الاول والاهم لهذا الاحتشاد والسبب الرئيسي وراءه ، فان هناك عناوين اخرى تتفاوت في اهميتها وقوة تأثيرها على النظام العالمي وصراع القوى والمصالح فيه.
واذا كان يمكن اعتبار الحدث السوري هولحظة الاعلان عن بداية تشكل النظام العالمي الجديد متعدد الاقطاب على حساب افول نظام القطب الواحد ، فان الاحتشاد في الامم المتحدة والسخونة العالية في تناول الموضوعات وفي حبك المناورات يمكن النظر اليه كساحة اساسية ، ومحاولة اساسية من محاولات بداية العمل لاعادة تأسيس هذا النظام العالمي الجديد ووضع توازن قواه، ومحاولة حجز كل قوة لنفسها افضل موقع فيه وتأمين اكثر ما يمكنها من عناصر القوة، ومن التحالفات او الاصطفافات، وذلك بعد ان سقط، او اوشك على السقوط، نظام القطب الواحد الذي ظل يسيطر على العالم منذ بداية التسعينات ( سقوط جدار برلين).
وكما ان الحدث السوري ليس هو العامل المشكل لبداية النظام العالمي الجديد بل هناك عوامل اخرى كثيرة ومتنوعة ظلت تتراكم وتتفاعل منذ سنين ، فان الاحتشاد في الامم المتحدة لن يكون الساحة الوحيدة ولا المحاولة الاخيرة لاعادة تشكيله . بل ستكون هناك ساحات ومحاولات كثيرة ومتنوعة يتداخل فيها السياسي مع الاقتصادي مع العسكري، والشرعي مع غير الشرعي . ولا يمكن استبعاد بعض اشكال اللجوء الى السلاح وبعض الاشتباكات العسكرية بغض النظر عن مداها واتساعها وساحاتها، وبغض النظر ايضا عن ادواتها المباشرة.
من بين ساحات اعادة تشكيل النظام العالمي الجديد، تبرز الاهمية الخاصة لتعزيز السيطرة على المنطقة العربية وجوارها الاقليمي، كما تبرزاهمية ضمان استمرارهذه السيطرة، حتى لو تطلب ذلك تفكيكها واعادة تركيبها ورسم خرائط جديدة لها سياسية واقتصادية، وسكانية اجتماعية مذهبية ايضا.
ففي هذه المنطقة من عناصرالقوة الاستراتيجية لدول الغرب وحلفائها بقيادة الولايات الامريكية ما هو موجود وقائم ، اهمها ثروة النفط وتنامي معدلات انتاجه واكتشافاته الجديدة. وفيها عناصر قوة جديدة وواعدة اهمها ثروة الغاز واكتشافاته الضخمة في المنطقة، وما توفره السيطرة عليها من تاثيرات كبيرة على توازنات القوى العالمية.
ولها موقعها الاستراتيجي بين قارات العالم والمجاري المائية الحيوية لحركة النقل العالمية والمواصلات.
وفيها فوق ذلك اسرائيل ووجودها وامنها واستقرارها وتفوقها، والتي تشكل عنصرا ثابتا واساسيا في استراتيجية دول الغرب وحلفائها بقيادة امريكا لعموم المنطقة.
وليس غريبا بالتالي ان نرى الهجمة على العديد من الاقطار العربية من اليمن الى العراق الى تونس الى ليبيا الى السودان في محاولات جادة لتمزيقها وتفتيت نسيجها الاجتماعي ، ثم الى مصر في محاولة لارباك الجيش المصري والهائه عن مهمته الاساسية واضعافه بالنتيجة، وصولا الى سوريا ، عن معرفة تاريخية انه لم يحصل ان تم الاستيلاء على المنطقة قبل اسقاط سوريا ( الشام ) والاستيلاء عليها ، بدءا من محطة معركة اليرموك التاريخية، مرورا بمحطات الصليبين ومرج دابق ا ووصولا الى محطة الحرب العالمية الاولى ، وغيرذلك من المحطات.
ايران ساحة هامة اخرى من ساحات اعادة تشكيل النظام العالمي الجديد تتقاطع مع المنطقة العربية في اكثر من مجال وعلى اكثر من مستوى ليس آخرها موقفها الحاسم من الحدث السوري وموقفها العدائي لاسرائيل . اضافة الى اطلالتها من جهات اخرى على الجمهوريات المستقلة حديثاعن الاتحاد السوفياتي السابق بالذات الاسلامية منها ، وايضا بما يتصل ببحر قزوين وثرواته.
وهناك ساحات اخرى عديدة . وقد يكون من اهم تلك الساحات ساحة الشطر الغربي من العالم وقوة الصين الصاعدة كالصاروخ في جميع المجالات، ثم الهند، خصوصا وان هذه القوى ومعها قوى دول البريكس الاخرى تشكل خصما من قوة نظام القطب الواحد واضافة نوعية الى نظام تعدد الاقطاب، لكن هناك ساحة تتزايد اهميتها بشكل متسارع، ويتزايد خطرها بشكل متعاظم ، بما يفرض التعامل معها بسرعة وجدية ، هي ساحة الارهاب الدولي. فقد نمت قوة الارهاب الدولي في السنوات الاخيرة بشكل كبير وزاد تطرفها وارتفعت عدوانيتها الى مستويات عالية، وتوزعت مراكزها ولم يعد خطرها يقتصر على مناطق بعينها بل بات امتدادها يشمل مناطق عديدة كانت تتصور نفسها آمنة.
لقد بدأت قوى وجماعات الارهاب الدولي، وبعد ان وصلت الى مستوى من القوة والتمّكن، تخرج عن الطوق وتتمرد على الدول والقوى التي مكنتها وزودتها بوسائل القوة بكافة اشكالها، وبدئت تلك الدول تتحسب بجدية لخطروصول تمدد هذة القوى والجماعات الى اراضيها وناسها مصالحها.
ومرة اخرى، فان الحدث السوري هو الذي سلط الضوء على هذه الساحة، وعلى شدة خطرها وتناميه وامتداده، وهوالذي كشف عن بدايات تمرده.
انها مجرد لحظة الاعلان والبداية.



