ليس إدانة لحفرة امتصاصية
الكاتب: زياد خدّاش عن صحيفة الايام
عشرون مدرسا وستمائة طالب يعيشون منذ ست سنوات وأكثر مع رائحة حفرة امتصاص الغائط البشري الضخمة في حي الجنان بالبيرة، (دققوا في كلمة الجنان لتقفز في وجوهكم المفارقة) عشرون مدرسا وأكثر لم يقدروا حتى الآن (وأنا أولهم طبعا) على تجاوز التذمر الفردي وشتم الدنيا وشد الشعر وندب الحظ، والشكوى لله، ورد المأساة داخليا للمكتوب أو الاحتلال، عشرون مدرسا وستمائة طالب فلسطيني يتنفسون كل صباح رائحة الغائط، تختلط الرائحة مع أخطاء الطلاب الاملائية ومع قهوة المدرسين وشايهم، ومع دفاتر الرسم وكرات القدم، وخطبة المدير الصباحية المليئة بالنصائح والمساطر، تبدأ الحفلة من الطابور الصباحي وحتى الحصة السابعة.
لا أدري حتى الآن ما هي المشكلة بالضبط، هل لمستوطنة "بسغوت" التي تقع المدرسة تحتها مباشرة علاقة بالموضوع؟ هل هو نقص معدات؟ هل هي بيروقراطية أم هو تقصير ؟ عشرات الشكاوى قدمت من الاهالي الذين يسكنون قرب المكان، عشرات المسؤولين من البلدية شوهدوا يتجولون في المكان ويعاينون تفاصيل المأساة، ثم يغادرون، دون نتيجة تذكر، ليس هذا النص إدانة للحفرة او تشويها لسمعة الغائط، كما سيبدو، أبدا، فالمشكلة ليست في الحفرة، المشكلة في العجز الذي يكبّلنا نحن المدرسين العشرين، الذين لم نقدر حتى كتابة هذا النص على التفكير بإضراب أو كتابة بيان او باستدعاء صحافيين، لم نجرؤ على الاعتصام أمام البلدية، لاظهار قرفنا وغضبنا، قولوا لي أين المرض ؟ هل هو في جراثيم الحفرة؟ أم هو هناك: في حفرة العجز عن التحرك للدفاع عن حقوقنا الشخصية التي كفلتها الطبيعة البشرية لنا، أن تكون لنا أنوف لا تُجبر على شم روائح كريهة، أم هو هناك في حفرة عدم اكتشاف أهمية العمل الجماعي والحق في الاعتصام والتظاهر والرفض. لن يختلف الأمر مع طلابنا في المستقبل، سيكونون نحن بهبلنا وانوفنا، وخوفنا.
في المدرسة يقود المدير مشروعا هو (المدرسة بيتي) يتجول الطلاب في الساحات وينشدون للبيت الكبير والسلام والتسامح والحب، وفي الصف، حين تبدأ حصة الرياضيات، تبدأ أصوات غريبة تدخل الى الصف، هي أصوات الأبواب المخلوعة، أهذا هو بيتنا؟ سألت الطلاب، سكتوا ولم يجيبوا، أكملت: أبيت دون أبواب؟ أبيت مع البرد والضجيج؟ أهذا هو البيت، ففهموا، حرّضتهم على الذهاب للمدير مع ورقة كتبت لهم فيها، أبيت دون أبواب؟. وبقي الباب مخلوعا، ونسي الطلاب شرط البيت الأول ونسيت أنا.
عشرون مدرسا وستمائة طالب يغرقون كل صباح حتى الظهيرة في حفر العجز عن قول (لا ) صاخبة في وجه حفرة غائط.



