الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:37 AM
الظهر 12:43 PM
العصر 4:23 PM
المغرب 7:27 PM
العشاء 8:49 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

جوائز جبر الخاطر

الكاتب: وليد أبو بكر عن الايام

أيام قرطاج المسرحية، هي المهرجان المسرحيّ العريق في تونس، الذي بدأ دوراته في العام 1983، وكان المهرجان المسرحيّ الثاني، بعد مهرجان دمشق، (الذي أَسس معه توأمة بعد ذلك، ليعقد كل واحد منهما سنة بعد الآخر)؛ وقد سار المهرجان سيرًا طيبا في دوراته الأولى، ومنحت جوائزه لمن يستحقّ، من خلال لجان تحكيم مستقلة، ومسؤولين لا يتدخّلون، لدرجة أن وزير الثقافة، في الدورات الأولى للمهرجان، كثيرا ما كان يتندر بأنه لا يرى نتائج لجنة التحكيم (في فترة كانت تجرى فيها مسابقات) إلا عندما يفتح الظرف المغلق على خشبة المسرح، ليلة الختام.
ظلّ ذلك صحيحا تماما، حتى تسلّم تلك الوزارة من يسيّرون الثقافة في دروب غير ثقافية، فتغير الحال، ما حدا بالمسرحيين الجادين في تونس، وهم كثر، إلى التداعي لإلغاء المسابقة والجوائز، حتى لا يخضع الفنّ لمزاج أي وزير، ربما يصل إلى الكرسيّ بالصدفة.
ويبدو أن حرب الخليج الأولى لم تبق للصدق مكانا في معظم بلداننا العربية، حتى في عالم الفن والثقافة، ثمّ "كحّلتها" الحرب الثانية، وعمّقها التفكك العربي "الكبير"، فصار الزمن غير الزمن، وصارت لوزارة الثقافة ـ التي تشرف على المهرجان، عبر المسرح الوطنيّ، الذي يتبعها ـ حسابات مختلفة، على رأسها رغبة الوزير (أو السياسة عموما) في إرضاء جميع "الدول" الشقيقة والصديقة (فالمهرجان عربي إفريقي)، على حساب الفن، ورغم أنف لجان التحكيم، أيا كان مستواها.
في إحدى الدورات، وحينما أبلغتُ الوفد الفلسطينيّ أنه حصل على جائزة "الأزياء" عن عرضه، ضحك "صاحب" العرض، ظانا أنني أمزح، وقال: ليس لدينا مصمّم أزياء. وبعد ذلك فهمت أن كلّ من وقف على الخشبة في العرض اختار زيه (الذي كان فلسطينيا تقليديا للرجال والنساء بشكل طبيعيّ، حسب جوّ المسرحية).
لم أكن أمزح بالطبع، وكانت مصادري من وزارة الثقافة ذاتها، وكنت أعلم أن الجوائز التي أقرّتها لجنة التحكيم (وبينها مسرحيون عرب لهم مواقعهم المهمة في الحياة المسرحية)، شطبت كليا، وأعاد الوزير وضع جوائز "الترضية السياسية" كاملة، وبطّ يده، وكان من ضمن ما طرحه من تبرير حول "جائزة الأزياء" تحديدا، أن فلسطين لا يجوز أن تشارك دون أن تحصل على جائزة، وهو يمكن أن ينسحب على معظم الجوائز الأخرى!
حين أعلنت الجوائز في الختام، اصفرّ وجه رئيسة لجنة التحكيم، الأستاذة المعروفة في تعليم المسرحيين، كما انفجرت بالبكاء ـ على الخشبة، وأمام الناس جميعا ـ إحدى عضوات اللجنة (وصارت وزيرة ثقافة في بلادها المتقدّمة مسرحيا بعد ذلك)، وتسللت نحو الكواليس، قبل أن ينتهي إعلان النتائج المزيفة.
قد لا يلوم الناس أي شخص ينال جائزة ترضية، أو مجاملة، أو انحياز من رئيس لجنة (وهو ما صار يحدث بالفعل، زمن غياب الصدق العربي) حين يتبجح بأنه حصل على جائزة أيام قرطاج المسرحية، التي ظلت تعتبر، منذ بدايتها، حتى تغير الأحوال، (ربما بعد الدورة السادسة) أثمن جوائز المسرح عربيا على الإطلاق، بسبب المهنيّة النسبية للجان التحكيم، وموضوعيتها، وعدم تدخل الأهواء الشخصية والسياسية في عملها، وقد لا يلومون من يتبجح حين يحصل على أية جائزة من هذا النوع أيضا، لأنهم لا يعرفون مقاصد الجوائز وكواليسها.
إن هذا، مع الأسف، يحدث كثيرا بالنسبة لفلسطين، في الأحوال التي ما زالت متغيرة، والتي ترى في تقديم جائزة ترضية لأية مشاركة فلسطينية في مسابقة، حتى وإن كانت المشاركة لا تستحقّ، نوعا من رفع العتب، أو إعلان الحبّ، أو إرضاء الضمير، أو الشعور بالواجب عن طريق المشاركة في دفع "القضية العربية الكبرى" إلى الأمام، أو أي شيء آخر، لا علاقة له بالمقاييس التي تمنح من أجلها الجوائز، وهو ما يضرّ بالإبداع الفلسطيني، بقصد (غالبا، إذا دققنا في من ـ وما ـ يحصل على مثل هذه الجوائز)، أو دون قصد في بعض الأوقات، لأن ذلك يزرع الوهم بأنا ننتج ما يستحقّ التكريم، في حين لا نفعل ذلك.
ومع الاعتقاد بأن أي مبدع حقيقيّ، لا يكون مهموما بمثل هذه الجوائز، وبأنها سوف تمرّ في حياته عابرة تماما (وهو ما لاحظته لدى قلة تحترم نفسها وتؤمن بها)، إلا أن ذلك لا يعني أن "المنح" المدروسة جيدا، يمكن أن يهمل تأثيرها، لسبب بسيط جدا، هو أنها تعطي بعض المشوّهين فرصا للظهور على السطح، ما يجعلهم يغطون المساحة الظاهرية إلى حين، وما يجعل الرأي السريع، وحتى بعض النقد "الأكاديمي" غير المتروي، يرى فيهم صورة الإبداع الجديد، وربما يقود الجهل إلى الاحتفاء بكلّ ذلك.
هل هناك مبدع حقيقيّ يكون في حالة استغراق في إبداعه، الذي يقطعه عن الدنيا في فترة توحد لا يعرفها إلا الصادقون، يمكن أن يتطلع إلى جائزة من أي نوع، أو إلى تكريم من أي نوع، أو ترضية من أي نوع، ثم يستطيع بعد ذلك أن يستمرّ في إبداعه، أم أن مثل هذه الحالة "المرَضيّة" لا تصيب إلا صيادي المناسبات والظهور والجوائز والباحثين عن الترضية، من خلال الالتزام بإرضاء من يمنحون؟
ذلك هو السؤال الذي يفترض في أي مبدع فلسطينيّ، يحمل قضيته في قلبه، أن يضعه نصب عينيه، سعى إلى جائزة أم لم يسع، وحصل عليها أم لم يحصل، وذلك بعد أن يراجع ـ لنفسه ـ قائمة الذين حصلوا، فربما يفرح بأن اسمه لا يوجد له مكان في القائمة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...